مكونات الثقافة الإسلامية – سلسلة حياتنا ثقافتنا

WhatsApp-Image-2020-11-22-at-22.09.41.jpeg

مكونات الثقافة الإسلامية – ج 2 – من سلسلة حياتنا ثقافتنا – الجزء العاشر

بقلم الدكتور: محمد محمود حوا

 

……………………….

مكونات الثقافة الإسلامية – العقيدة الإسلامية –حياتنا ثقافتنا

د. محمد محمود حوا

 

ذكرت في المقال السابق مكونات الثقافة الإسلامية، وأنها تتكون من خمس مكونات، هي:

1-    العقيدة الإسلامية:

2-    العبادات:

3-    مصادر الشريعة ومقاصدها

4-    النظم الإسلامية ومناهج الحياة.

5-    القضايا الثقافية المعاصرة.

 

 

ولنبدأ بالعقيدة الإسلامية، فالعقيدة – بشكل عام – الأمر الذي تصدِّق به النفس، ويطمئن إليه القلب، ويكون يقيناً عند صاحبه، ويصبح موجهاً لسلوكه ومحركاً لعواطفه.

والعقيدة الإسلامية: هي الإيمان واليقين الجازم بالله سبحانه وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة الثابتة من أصول الدين، وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح في شأن الإيمان ومسائله، والتسليم لله تعالى في الحُكم والأمر والقَدَر والشرع، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والتحكيم والاتباع، ويجدر عند دراستها في عصرنا دراسة الانحرافات العقدية التي تحصل في بعض المجتمعات كالإلحاد، والتكفير، والبدعة، والحكم بغير ما أنزل الله، ونحو ذلك.

ولن أتحدث عن أركان العقيدة ومسائلها التفصيلية، وإنما سأتحدث عن بيان مصدرها، وخصائصها وأهميتها في صياغة ثقافتنا الإسلامية.

إن إثبات أي حقيقة في حياتنا ينطلق من ثلاث طرق أو مسالك، تتمثل في[1]:

    الحس السليم: فأي شيء يحس به الإنسان بحواسه السليمة، فهو بالنسبة له حقيقة قائمة محسوسة، فعندما تنقل لنا حاسة البصر مثلاً ظهور الشمس يومياً فإن ذلك يصبح لدينا حقيقة راسخة، وقد أشار إليها نبي الله إبراهيم في مناظرته للنمرود، حيث قال له: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ} (البقرة: 258).

    العقل الصريح: فالله سبحانه وتعالى أعطى العقل البشري القدرة على التفكير والتحليل والتركيب والاستنتاج، وبناء النتائج على المقدمات، ومن ثم الوصول إلى حقائق عقلية منطقية متفق عليها بين العقلاء. مثل القواعد الرياضية: (1+1=2)، وقد استخدم القرآن البراهين العقلية التي تثبت العقيدة، كما سيتبين عند الحديث عن خصائص العقيدة الإسلامية.

    النقل الصحيح: فنحن نسلّم – مثلا – بوجود الكعبة في مكة المكرمة؛ لأن كثيرين من الناس ذهبوا إلى مكة ورأوا فيها الكعبة المشرفة ونقلوا لنا هذا الخبر، حتى صار إحدى المسلّمات لدينا، فمن أراد رؤية الكعبة يتجه رأساً إلى مكة دون غيرها بناء على ما تواتر لديه من النقل في ذلك، ونعلم بوجود الأهرامات في مصر بسبب تواتر الأخبار عن وجودها في مصر، فمن أراد رؤيتها يذهب إلى مصر وهكذا. والعقيدة الإسلامية كما تثبت بالعقل الصريح فإنها تثبت بالنقل الصحيح المعتبر في إثبات مسائل الاعتقاد.

فأي مسألة من مسائل الاعتقاد لا تثبت بإحدى هذه الطرق الثلاث لا يمكن اعتبارها عقيدة أصلا.

وأي عقيدة مبنية على هذه الطرق الثلاث أو على بعضها فإنها ستكون عقيدة راسخة فاعلة مؤثرة في تفكير الإنسان المؤمن بها وعبادته وسلوكه ومناهج حياته، والعقيدة الإسلامية هي الأساس لمكونات الثقافة الإسلامية الأخرى وتمثل القلب منها، فالعبادات لا تصح مع الشرك، والأنظمة الإسلامية مبينة على أساس أن الإسلام دين التوحيد، وأن لله تعالى وحده الخلق والأمر.

إذا تقرر ذلك فإن من المناسب أن نستعرض أهم خصائص العقيدة الإسلامية.

خصائص العقيدة الإسلامية:

الخصيصة الأولى: ثبات المصدر:

فهي ثابتة لثبات مصادرها، فالحس والعقل الصريح لا يتغير، والنص الصحيح محفوظ بحفظ الله تعالى، والقرآن هو المصدر الأول للعقيدة الإسلامية، وثبوته قطعي يقيني لا يقبل الشك ولا يتطرق إليه احتمال عند أهل العقول السليمة لثبوته بالتواتر، ولتعهد الله تعالى بحفظه، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر:9]، وأصول الاعتقاد لا يقبل فيها الاجتهاد، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً} [المائدة: 3]، وهي أهمّ ما في الدين. ويكفي فيها ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنـزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت:51].

الخصيصة الثانية: موافقة الفطرة السليمة:

الله جل وعلا خلق الإنسان ويعلم كيف يتعامل مع الحقائق ويتلقاها، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم} [الروم:30]، قال ابن كثير: “فإنه تعالى فطَر خلقه على معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره"[2]. وقد أخذ عليهم العهد وهم في عالم الذرّ، قال سبحانه: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف : 172).

“والقلوب مفطورة على الإقرار به سبحانه أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات، كما قالت الرسل: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم:10]"[3].

يقول ابن كثير: (وهذا يحتمل شيئين، أحدهما: أفي وجوده شك؟ فإن الفِطَر شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفِطَر السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده؛ ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} الذي خلقها وابتدعها على غير مثال سبَق، فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلا بد لها من صانع، وهو الله لا إله إلا هو، خالق كل شيء وإِلهه ومليكه.

والمعنى الثاني في قولهم: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلا هو، وحده لا شريك له؛ فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى)[4].

الخصيصة الثالثة: قوة البرهان:

فالقرآن حين يقرر حقائق الإيمان، يخاطب العقل ويثبت له بالحجج العقلية والأدلة الكونية المحسوسة صحة ما تدل عليه العقيدة الإسلامية، فبالعقل استدل الأعرابي وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: “يا سبحان الله، إن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟"[5].

ويدعو القرآن العقل إلى إزالة الحجب التي تمنعه من الوصول للحقائق الإيمانية كالتقليد الأعمى الذي يحجب العقل ويلغي وجوده، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنـزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} (البقرة: 170).

 

ولنضرب مثالاً للبرهان القرآني العقلي في قضية توحيد الله سبحانه، ولله المثل الأعلى.

لنفترض أن لدينا قارباً له دفتان، وقائدان كل واحد في جهة، وكل واحد يريد الذهاب باتجاه، هل يمكن لهذا القارب أن يتحرك بشكل صحيح وفق ما يريده أحدهما، الجواب: لا، وبالتالي لا بد من وجود قائد واحد لتوجيه القارب، وحتى في عالم المؤسسات والإدارات هناك ما يعرف بتنازع الصلاحيات المفسد للأعمال باتفاق العقلاء، وهو ما يسميه علماء المنطق “دليل التمانع".

 

يقول تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ * لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الأنبياء21-22) أي أن إرادة أحد الآلهة تمنع إرادة الآخر من التصرف، والإله الذي يمنعه غيره من التصرف لا يستحق وصف الإله، ويبين الله سبحانه هذا المعنى بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون: 91)، فإذا كنا ندرك بحواسنا ونعقل بقلوبنا بأن الكون يسير بنظام بديع، فإن هذا يدل على أن هناك إرادة واحدة تتحكم فيه وتدبره وهي إرادة الخالق وحده سبحانه وتعالى.

أما من ينكرون وجود الله تعالى أصلاً فقد ألجمهم الحجة والبرهان بقوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَوقد تقرر في العقل والشرع أن ذلك لا يخلو من ثلاثة أمور: إما أنهم خُلقوا من غير شيء، أي لا خالق خلقهم، بل وُجدوا من غير إيجاد ولا موجِد وهذا عين المحال، أم هم الخالقون لأنفسهم وهذا أيضاً محال؛ فلا يمكن للعدم أن ينشئ وجوداً، ولا يتصور أن يوجد أحد نفسه، فإذا بطل هذان الأمران وبان استحالتهما تعين القسم الثالث، وهو أن الله هو الذي خلقهم، وإذا تعين ذلك، عُلم أن الله سبحانه هو المعبود وحده الذي لا تنبغي العبادة وتصلح إلا له تعالى[6].

وكذلك أقام الله الدليل على البعث والنشور بقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس:78-79]، قال الرازي: (يعني كما خَلَق الإنسان ولم يكن شيئا مذكورا كذلك يعيده وإن لم يبق شيئا مذكورا)[7].

الخصيصة الرابعة: الوضوح الكامل:

العقيدة الإسلامية واضحة لا غموض فيها، سهلة لا عُسْر فيها، فهي قائمة على التوحيد الموافق للفطرة والعقل والحس، ونجد أن القرآن خاطب النفس البشرية بما يناسبها، ويجيب أسئلتها بطريقة شافية كافية، ففي “الإيمان بالله" تتلخص عقيدة الإيمان بالله بإثبات وجوده، ووحدانيته وحاجة الخلق إليه، وغناه عنهم: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص]، وتتلخص العقيدة في صفات الله تعالى في قوله سبحانه ]لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [[الشورى: 11].

وفي الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء، يقرر القرآن الحقيقة بقوله تعالى: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: 50) وقوله تعالى: ]قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد[[الكهف: 110].

ويؤكد الفصل بين قضية النبوة وقضية الربوبية والإلهية، فالرسل ليسوا آلهة ولا أبناء آلهة، قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75].

وهكذا في كل قضية نجد في نصوص الوحي الإجابة الشافية عن أسئلة الوجود، والكون والإنسان والحياة، ولذلك يقول ابن عباس: “أَخبَرَ الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه: {وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14]" [8].



[1]  ينظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، د عبد الرحمن حبنكة الميداني ص 32 وما يعدها.

[2] تفسير ابن كثير (ص:1452).

[3] درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (8/38).

[4]  تفسير ابن كثير (4 / 482).

[5]  تفسير ابن كثير (1 / 197).

[6] بتصرف عن تفسير السعدي (ص816).

[7]  مفاتيح الغيب (26 / 309).

[8]  تفسير ابن كثير (3/ 317).

اقرأ أيضا

محدث الشام – العلامة بدر الدين الحسني

الشيخ المحدث علامة الشام بدرُ الدِّين الحسني

اقرأ أيضا المقال السابق من السلسلة 

https://makkahacademy.org/our-life-and-islamic-culture-0009/

Share this post

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة