مكونات الثقافة الإسلامية – حياتنا ثقافتنا

WhatsApp-Image-2020-11-22-at-22.09.42.jpeg

 مكونات الثقافة الإسلامية/ ج1  – من سلسلة حياتنا ثقافتنا – الجزء التاسع

بقلم الدكنور محمد محمود حوا

 

عندما يتحدث الباحثون والمفكرون عن الثقافة ومكوناتها، فإنهم يذكرون للثقافة ثلاث مكونات رئيسة، تتمثل فيما يلي:

1-   مكونات مادية: وهي الأشياء التي يستعملها الإٍنسان في مجتمع ما في حياته اليومية، كالمسكن والملبس والأثاث، والمرافق العامة.

2-   مكونات فكرية معرفية: ويدخل فيها دين المجتمع ولغته وفنونه والعلوم التي تنتشر فيه، وغيرها من أمور ترتبط بالعقل والتفكير بالدرجة الأولى.

3-  مكونات اجتماعية: وتتمثل في علاقات أفراد المجتمع ببعضهم ومستويات هذه العلاقة، مثل الأسرة والعائلة والقبيلة، وغيرها من المجموعات الاجتماعية.

ولعل هذه المكونات تنسجم مع التعريف العام للثقافة إلى حد كبير كما ورد في تعريف منظمة اليونسكو في للثقافة في إعلان مكسيكو والذي صدر عام 1982 لتشمل الثقافة: “ جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعاً بعينه، وهي تشمل الفنون والآداب، وطرائق الحياة والحقوق الأساسية للإنسان، ونظم القيم والتقاليد والمعتقدات([1]).

وإذا أردنا أن نتحدث عن مكونات ثقافتنا الإسلامية، والوزن النوعي لكل مكون فإننا لا بد أن ننطلق من مصادر ثقافتنا، والتي يمثل القرآن الكريم المصدر الرئيس فيها، والذي حدد لنا مكونات ثقافتنا في أول سورة من سور القرآن، في سورة الفاتحة، يقول الشيخ سعيد حوى في كتابه الأساس في التفسير: (إذ كانت الفاتحة هي مقدمة القرآن فقد تجمعت فيها مقاصده ومعانيه. فالقرآن يدور حديثه حول العقائد والعبادات ومناهج الحياة، وقد بدأت السورة بذكر العقائد:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ* الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}.

وثنت بالعبادات {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

وثلثت بمناهج الحياة {اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}.

والقرآن دعوة إلى العقيدة أولا، ثم إلى العبادة، ثم إلى مناهج الحياة، وقد تسلسلت المعاني في هذه السورة على هذا الترتيب)[2]، ونحتاج لمعرفة العقائد والعبادات ومناهج الحياة إلى معرفة مصادر الشريعة الإسلامية، كما نحتاج في هذا العصر إلى النظر فيما يعترض المسلم من تحديات وقضايا ثقافية، وعليه يمكننا القول بأن الثقافة الإسلامية تتكون من خمس مكونات، هي:

1-  العقيدة الإسلامية.

2- العبادات.

3- مصادر الشريعة ومقاصدها.

4- النظم الإسلامية ومناهج الحياة.

5- القضايا الثقافية المعاصرة. 

 

ولا بد من الإشارة إلى أن هذا التقسيم المراد منه التبسيط والشرح والتوضيح، وإلا فإن بين هذه المكونات تشكل لُحْمة واحدة، فالعقيدة لا تنفصل عن العبادة، والعبادة لا تصح بدون عقيدة قويمة، والنظم الإسلامية لا تقوم إلا بعقيدة صحيحة، وهي في نفس الوقت نوع من العبادة لله وتحقيق الاستخلاف في الأرض، وهكذا.

وهنا قد يتبادر إلى الذهن تساؤل حول موقع العادات والأخلاق من الثقافة الإسلامية، وموقع المكون المادي ومحله من الثقافة الإسلامية.؟!

وكذلك موقع المكون المعرفي ومحله من الثقافة الإٍسلامية!

والجواب على التساؤل الأول يتمثل في أن العادات لا تستقل كمكون الثقافي، بل هي تابعة لنصوص الوحي، فما خالف نصوص الوحي فلا يشكل مكوّناً ثقافياً إسلامياً، بل يكون مذموماً ومرده لاتباع الهوى والشيطان، فينبغي أن نبعده عن ثقافتنا وحياتنا، فقد ذم القرآن من اعتمدوا مبدأ الآبائية، فقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} (لقمان: 21) وعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا»[1]. وما لا يخالف نصوص الوحي فهو في إطار منطقة العفو والإباحة والباب فيها واسع.

أما الأخلاق فهي ملازمة لكل أنظمة الحياة الإسلامية ومناهج الإسلام، فهي لا تنفك عنها، وهي في ذات الوقت تنبثق من عقيدة راسخة وإيمان بالله تعالى ورجاء لما عنده، وتغذيها العبادات بأنواعها، لتسمو بالإنسان إلى مكارم الأخلاق.

وأما المكون المادي فإن الماديات – من وجهة نظري- لا تشكل الثقافة، وإنما تصبغ بها، وتحدد الثقافة طريقة وآداب استخدامها، كما أنها تختلف باختلاف البيئات الجغرافية.

فطريقة البناء – مثلاً – في المجتمعات المسلمة تختلف من بيئة إلى أخرى وفق عوامل البيئة، كما أنها تختلف عنها في المجتمعات غير المسلمة حيث تراعى فيها اعتبارات الستر والطهارة، والبعد عن الاختلاط المحرم.

وحتى في التقنيات الحديثة والأجهزة الذكية – مثلاً- فإن لاستخدامها في المجتمع المسلم آداباً تنبثق عن الثقافة الإسلامية في التعامل والتواصل مع الآخرين، وهكذا.

وأما المكون المعرفي: فإن كتب الثقافة الإسلامية لا تتعرض للعلوم التجريبية التي كانت عند المسلمين وإنما تتعرض لما يحتاجه ممارس هذه العلوم من أخلاق في مهنته وتخصصه ضمن النظام الأخلاقي، ولذلك نجد أن معظم من كتب في الثقافة الإسلامية كتب فيها بناء على هذه المكونات التي ذكرتها، و سأتحدث عن كل واحد من هذه المكونات تفصيلا في المقالات التالية، مع التأكيد مرة أخرى على أن هذه التقسيم هو للتوضيح، وليس لأن هذه المكونات منفصلة عن بعضها، بل هي مرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقاً، فإلى المكونات:

1- العقيدة الإسلامية: وهي الإيمان الجازم بالله سبحانه وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة الثابتة من أصول الدين، وأمور الغيب وأخباره، وما أجمع عليه السلف الصالح في شأن الإيمان ومسائله، والتسليم لله تعالى في الحُكم والأمر والقَدَر والشرع، ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة والتحكيم والاتباع، وعليها تقوم المكونات الأخرى من عبادات وأخلاق ونظم.

2- العبادات: جمع عبادة، وهي كمال الخضوع لله تعالى على وجه التعظيم والشعائر الدينية، (فالله تعالى إنما خلق الخلق لعبادته الجامعة لكمال محبته مع الخضوع له والانقياد لأمره)[2]، ولعل من أشمل التعاريف للعبادة أنها: (اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)[3].

3- مصادر الشريعة الإسلامية ومقاصدها: ويقصد بها مصادر الأحكام الشرعية التي يستند إليها العلماء في استنباط الأحكام الشرعية، وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، وغيرها من المصادر الفرعية.

4- النظم الإسلامية: جمع نظام، ويمكن أن نعرفه بأنه المبادئ والتعاليم المترابطة والمتناسقة التي تحكم مجالاً معيناً وتضبطه من جميع الجوانب. ويوجد في ثقافتنا الإسلامية عدد من النظم، مثل النظام الأخلاقي، والنظام الاجتماعي، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والنظام القضائي، والنظام الجنائي، وغير ذلك، من الأنظمة.

5- قضايا ثقافية معاصرة: وهي المستجدات والتحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية، مع تطور الحياة، مما هو داخل تحت المكونات السابقة، لكنه ولقوة الهجوم عليه، أو لخطورته فقد وجب إبرازه ضمن القضايا الثقافية المعاصرة كمكون من مكونات الثقافة الإسلامية المعاصرة، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

·      حقوق الإنسان، فهي وإن كانت موجودة في مختلف النظم الإسلامية، لكن دراستها بشكل مفصل ومجتمِع في موضع واحد من الأهمية بمكان.

·      قضايا المرأة وتحرير المرأة.

·      العولمة بأنواعها ولا سيما العولمة الثقافية.

·      حوار أو صراع الحضارات.

·      الغلو والتطرف.

 إلى غير ذلك مما تستدعي الحاجة بحثه وتسليط الضوء عليه.


[1]  سنن الترمذي، رقم (2138). وقال حسن غريب. ونحوه عند الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح.

[2]  مدارج السالكين، ابن القيم (1 / 99).

[3]   ابن تيمية، العبودية، ص 38.

Share this post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة