خصائص الثَّقافة الإسْلامية (د): التأثير والفاعلية

WhatsApp-Image-2020-11-22-at-22.09.42-1.jpeg

Sample Text

خصائص الثقافة الإسلامية – رابعاً: التأثير والفاعلية – من سلسلة حياتنا ثقافتنا – الجزء الثامن

بقلم الدكنور محمد محمود حوا

 التأثير والفاعلية

في هذا المقال أتابع الحديث عن خصائص الثقافة الإسلامية وصفاتها التي تتميز بها وتنفرد عن غيرها من الثقافات،
وحديثي اليوم عن خصيصة:
التأثير والفاعلية.

فالثقافة الإسلامية مؤثرة وفاعلة لأنها
تؤثر في الإنسان والمجتمع، وتحرك طاقة الإنسان للبذل والعمل لتحقيق أهدافه وتقديم
الخير للبشرية. ويتجلى هذا التأثير والفاعلية في العناصر التالية:

1- خطاب الفرد
والمجتمع:
فكثير من الخطاب القرآني كان بصيغة الجمع، قال تعالى:    {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا
الزَّكَاةَ
} [البقرة:43]، والإسلام رسالة عالمية، فهي كما تخاطب الإنسان بصفته
فرداً مسؤولاً عن ذاته وما يقدمه من عمل لآخرته، كما في قوله تعالى: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
} (الحشر:
18)، فإنها تخاطبه بصفته فرداً في أمة، وعليه مسؤوليات وواجبات تجاه المجموع،
وعليه أن يكون مؤثراً وفاعلا فيما حوله، ففي دائرة الأسرة هو مسؤول، قال تع
ـالى: {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ
} [التحريم:6]، وقال صلى الله عليه وسلم:
كُلُّكُمْ
رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ
" (رواه البخاري)، وفي
دائرة المجتمع بل والإنسانية له دور جسده ربعي بن عامر حين سأله رستم قائد الفرس
قائلاً: ما الذي جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى
عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام[1].

2-
الدعوة للخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ففي إطار المجتمع المسلم
لا تقبل الثقافة الإسلامية السلبية، التي تجعل الإنسان سلبياً تجاه أي خلل يصيب
المجتمع، بل تطالبه بدوره الفاعل في حماية المجتمع، ولذلك وصف الله تعالى المؤمنين
بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ
أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ
} (آل عمران : 110 ) وكونها {أخرجت للناس}
فلابد أن يكون دائما لديها ما تقدمه للإنسانية من خير في العقيدة والشريعة والسلوك
والعلم والمعرفة، (ولا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر،
على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة)[2]،
وهذا مقتضى التوجيه النبوي الكريم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا
فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ" (رواه مسلم)
.
وما أجمل المثل الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم
للمسلم الفاعل المؤثر، حيث قال: “مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ
وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ
بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي
أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ،
فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ
فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ
أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً
" (رواه البخاري).

3مقام الشهادة على العالمين: فقد جعل الله تعالى
أمة الإسلام أمة وسطاً شاهدة على غيرها من الأمم،
قال
تعالى:
{وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
} [البقرة:143]،
فدينها أكمل دين، وأخلاقها أكمل الأخلاق، وكتابها أعظم كتاب، يأمرهم بالعدل
والإحسان، ويحثهم على العلم والعمل، فكانوا {أُمَّةً وَسَطًا}
تشهد على الناس جميعا، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع
لهم الموازين والقيم، وهذه الآية تحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها… لتعرفها،
ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعداداً لائقا[3]
.

4- التجرد في
العمل لوجه الله:
فالمسلم حين يستشعر مراقبة الله تعالى فإنه يكون في أعلى
درجات الكفاءة والإحسان في العمل؛ لأنها ترسخ في ضمير كل مسلم قول الله تعالى:
{وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون
} [التوبة:105] وذلك
يجعل المسلم يعمل وهو يرجو رحمة ربه ويخشى عذابه، ويحسن في العمل طلباً لما عند
الله، ويصدق في تعامله، ويخلص في عمله، ويسعى لما هو خير وأبقى.

5- الإنسان
مستخلَف مُكَرَّم:
فقد خلق الله الإنسان وكرمه وجعله خليفة في الأرض ليقوم
بعمارتها وفق أمر الله تعالى، فقد كرم الله الإنسان: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا
بَنِي آدَمَ
} [الإسراء:70]، وسخر له هذا الكون {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
} [الجاثية:13]، وجعله
خليفة في الأرض {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الأَرْضِ خَلِيفَةً
} (البقرة: 30) وهذا يدعو إلى فعل كل ما من شأنه رفعة
الإنسان وتكريمه، وتحقيقه لواجب الاستخلاف والعبودية لله من خلال العمل في عمارة
الأرض ونفع الإنسان، حتى ولو قامت القيامة كما يقول صلى الله عليه وسلم: “إِنْ
قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا

(مسند أحمد)، وليس هذا شأناً فردياً، بل هو من البر الذي أمر الله المسلمين
بالتعاون عليه فقال سبحانه: {وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى
} [المائدة:2]
(فكلُّ خصلة من خصال الخير
المأمور بفعلها، أو خصلة من خصال الشر المأمور بتركها، فإن العبد مأمور بفعلها
بنفسه، وبمعاونة غيره من إخوانه المؤمنين عليها، بكل قول يبعث عليها وينشط لها،
وبكل فعل كذلك)[4].


[1]  البداية
والنهاية (7 / 46)

[2] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور (3/188).

[3] بتصرف عن الظلال، 1/130.

[4]  تفسير السعدي (1/ 218).

 

اقرأ المقال الأول من السلسلة 

Share this post

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة