خصائص الثَّقافة الإسْلامية (ج): الواقعية [نحو واقع مثالي]

-7-0١.png

سلسلة مقالات – حياتنا ثقافتنا – المقال السابع


خصائص الثقافة الإسلامية – ثالثا: الواقعية – من سلسلة حياتنا ثقافتنا – الجزء السابع

بقلم الدكتور محمد محمود حوا

 

ونتابع الحديث في خصائص الثقافة الإسلامية وصفاتها التي تتميز بها وتنفرد عن غيرها من الثقافات، وحديثي اليوم عن خصيصة الواقعية.

ونقصد بالواقعية: أن الثقافة الإسلامية تتعامل مع الحقائق الثابتة لا مع الخرافات، وتراعي طبيعة الإنسان وواقع الحياة.

وتتجلى واقعية الثقافة الإسلامية في مظاهر كثيرة، منها:

  1. بناء العقلية الواقعية التي تستدل بحقائق الواقع: فهي تبني العقائد على الحقائق المطلقة الثابتة بالوحي، وليس على الخرافة والأوهام، وتستدل بالكون المنظور على وجود الخالق سبحانه، رائدها في ذلك قول الله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (فصلت: 53). وتعتني بمعرفة الحقائق وتحليلها للوصول إلى النتائج الصحيحة، مع المرونة اللازمة لاستيعاب المتغيرات والمستجدات الطارئة، بل والرجوع عن موقف إذا كان منافياً للواقع، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لقد هممت أن أنهى عن الغيلة[1] فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئاً"(رواه مسلم)، وهو صلى الله عليه وسلم قبل اقتراح سلمان الفارسي وأمر بحفر الخندق عندما تجمع الأحزاب في للقضاء على دولة الإسلام الناشئة.

2- إمكانية تطبيق التكاليف الشرعية في واقع حياة الإنسان بما يناسب قدرته وحالاته: فلا تكليف بما لا يطيقه الإنسان، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا} [البقرة:286]، قال ابن كثير: “أي لا يكلف أحداً فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخَلْقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم"[2]. وتراعي في بعض أحكامها جنس الإنسان من ذكر أو أنثى، فالذهب والحرير حلال للنساء، محرم على الرجال كما تراعي تغير حال الإنسان، ما بين سفر وإقامة وصحة ومرض، لتكون التقوى بقدر الاستطاعة، كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، وتراعي في أحكامها الضعفاء، قال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} (النور: 61) وتراعي ما يعرض للإنسان من تؤثر في أهليته وقدرته على الالتزام بالتكاليف الشرعية.

  • مراعاة طبيعة الإنسان الخطّاء: فالإنسان مكلف ولكنه غير معصوم، والشيطان يتربص به، وقد تطرأ عليه غفلة أو تغلبه شهوة فيخطئ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: “كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون" [رواه الترمذي]، ومن هنا جاء تشريع التوبة والكفارات التي تكفر السيئات، إذا عرفنا ذلك فإننا نكون أكثر إنصافاً وتوازنا وقرباً من الصواب في الحكم على الأشخاص والمواقف، من منطلق النظر المتوازن بين المحاسن والمساوئ، وهكذا كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حِمَارا وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأُتِيَ به يوما فأمر به فجُلِد فقال رجل من القوم: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: “لاَ تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه" [رواه البخاري].

ومن هذه الواقعية ندرك أن وقوع الإنسان في الخطأ ليس هو النهاية، ومهما كان الخطأ فباب التوبة مفتوح، ولا مجال للقنوط واليأس، وهذا يفتح باب الأمل، ويحرك عجلة العمل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53)، وإذا كان: “الإسلام يجبُّ ما قبله"(مسند أحمد)، كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، فما دون ذلك أيسر.

4السعي للوصول للواقع المثالي، وليس للمثال الخيالي: فالواقعية لا تعني – بحال – الاستسلام للضعف البشري، ولا تقبل الخمول أو استبدال الأدنى بالذي هو خير، بل تدعو إلى الاجتهاد في فعل الخير، وبذل الوسع للوصول للأفضل دوماً، فهي ثقافة ترغب بالعمل الصالح وتحث على المسارعة إلى الخيرات كما في قوله تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، والحث على التنافس في الخير، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُون} [المطففين:26]، ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ" [رواه البخاري ومسلم].


([1])الغيلة: وهي وطء الزوجة في فترة الرضاع.

([2]) تفسير ابن كثير (ص 348).

Share this post

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة