شبهات حول السنة النبوية وتدوينها، والرد عليها.

WhatsApp-Image-2020-10-23-at-3.45.24-AM.jpeg

بقلم أ.د محمد سعيد حوى

تنتشر بعض المقاطع تشكك بأصل السنة وحجّيتها، وبتدوينها، وادعاء أنَّ مخطوطات اتلفت أو اخفيت، وكأنَّـه لا مصدر لنا إلا الكتب التي كتبت في القرن الثالث، وأنَّـه ثمَّـة مؤامرة لإخفاء الحديث الصحيح، وأنَّ أصحاب الكتب الستة ليسوا عرباً وهم بشرٌ يخطئون، وأنه لا يقبل أي كتاب كتبه صاحبه قبل الأربعين من عمره! وأن ثمة انقطاعاً تاريخياً طويلاً بين عهد النبوة وعهد البخاري وأصحاب الكتب الستة؛ مما يشكك بمصداقية هذه الكتب والمصادر، وغيرها من الطروحات، وأقول باختصار:

  1. أمّا كونهم ليسوا عرباً؛ فهذا لا يضيرهم، لو ثبت ذلك؛ فهم أفقه بالعربية وأعلم من عرب اليوم المتخصصين بالعربية، فضلاً عن كونهم مِن العلماء بالعربية في عصرهم، ثمَّ إنَّ مسلماً، وأبا داود، وابن ماجه، والنسائي، والترمذي كلهم عربٌ أقحاح؛ فلم يبق إلا البخاري؛ وهو عالمٌ بالعربية بشهادة العلماء وواقع كتبهم، والإسلام قد صَهَرَ الجميعَ مِن خلال لغة القرآن العربيّة؛ فلم يكونوا يعرفون هذا التمييز العنصري بحالٍ من الأحوال.
  2. كون البشر يتغيرون ويخطئون ويذنبون فهذا صحيح؛ لكن لم يقبل العلماء رواية كل راوٍ إلا بضوابط كثيرة؛ فإرسال الكلام بهذه التعميمات لا معنى له هنا.
  3. أمّا قولهم: لا يقبل من عالم كتاباً إلا  إذا صنفه بعد الأربعين! فهذا ادعاء لا دليل عليه، وليس من العلم في شيء –إلا أن يعكس حال قائله فقط-، ثم إن معظم الأئمة الستة قد عاش أكثر من ستين عاماً، فلو ظهر لواحد منهم خطأ لبينه.
  4. أما عن قضية التدوين والمخطوطات، فقد كتب الدكتور ﷴ مصطفى الأعظمي رسالته للدكتوراه في لندن وحاز عليها جائزة الملك فيصل، وكانت بعنوان (دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه) وأثبت من خلال مئات الشواهد وجود الوثائق المكتوبة من عهد الصحابة إلى عهد تابع التابعين ما بعد 150 ه (وهي الفترة المختلف فيها).
  5. قد يتساءل البعض أين هذه الوثائق والمخطوطات؟

أقول: هي في معظمها ورقات محدودة فيها عشرات أو مئات الأحاديث، وهي شخصية (أي جهود فردية لأصحابها)؛ ولذا قلَّ تداولها بين الناس في ذلك الوقت (ويحتاجون إلى عنت للوصول إليها ونسخها؛ إذ الاعتماد كما هو معلوم على النسَّـاخ لا على الطباعة كما هو الحال اليوم، لكنَّـها موجودة).

فلما انتشرت الموسوعات الكبرى في القرن الثالث استغنى الناس عن أكثر هذه المخطوطات، ولم يعودوا يحتاجون لتداولها ونسخها؛ لأنها دخلت تلقائياً في الموسوعات الكبرى؛ فمسلم إذ كتب صحيحه اعتمدَ على عشرات من هذه النسخ الخطية، فصار الناس يتداولون كتاب مسلم وينسخونه، واستغنوا عن كتابة تلك الكتب الجزئية.

  1. فإذا رجعنا إلى تراجم الشيوخ الذين أخذ عنهم البخاري فإن لهم كتباً كان يقتنيها البخاري مخطوطةً وبعضها طُبع، منها: كتاب الحميدي (ت: 219 ه) وهو محقق ومطبوع، ومنها كتاب ابن أبي شيبة (ت: 230 ه) وهو محقق ومطبوع، ومنها كتاب مسند الإمام أحمد (ت: 241 ه) وهو محقق ومطبوع، ومن كتب شيوخه التي لم تصلنا كتاب إسماعيل بن أويس (ت: 226 ه).
  2. ثم إذا نظرنا في تراجم شيوخ شيوخ البخاري نجد أن لمعظمهم كتباً مخطوطة كان يتداولها العلماء في ذلك الزمان، ووصلنا بعضها؛ منها: جامع مَعمر بن راشد (ت: 154ه)، وكتاب موطأ الإمام مالك (ت: 179 ه)، وبعض كتب ابن المبارك (ت: 181 ه) ككتاب الزهد، وكتب أبي يوسف القاضي (ت: 182 ه)، ومحمد بن الحسن الشيباني (ت: 189 ه)، وكتاب مسند أبي داود الطيالسي (ت: 204 ه)، وكتب الشافعي (ت: 204 ه)، ومصنف عبدالرزاق (ت: 211 ه).
  3. إذن الكتابة والمخطوطات بقيت مستمرة في الأمة الإسلامية، لكن لصعوبة نسخ تلك المخطوطات، ولما صارت كلها موجودة بأسانيدها الموثّقة في الموسوعات الكبرى؛ كمسند أحمد، والكتب الستة، وتفسير الطبري، استغنى الناس عن إعادة نسخها فاندثر كثير منها.
  4. ثم إن العلماء كانوا يعتمدون وسيلتين للرواية لا تنفك إحداهما عن الأخرى: الرواية الشفهية، والرواية الكتابية؛ لذلك لا يمكن أن يقبل حديث إلا مسنداً، ووضعوا ضوابط دقيقة للتحقق من صحة السند، وانتفاء أي خطأ ظاهرٍ، أو خفي، ما أمكن.
  5. ومن دقة علمائنا في الاعتماد على الأمرين معاً ذكروا ثماني صور لتحمل التلميذ الحديثَ عن شيخه؛ فَعدَّوا اثنتين منها صحيحة، وهي السماع من الشيخ، أو القراءة على الشيخ، وهذا يدل على وجود الكتب، ثم اعتمدوا في فترة متأخرة بعد انتشار الكتب الموسوعية فكرة الإجازة؛ لأن الكتب موسوعية وقد لا يستطيع الطالب أن يقرأها كلها على شيخه؛ فيقرأ بعضها ويجيزه في بعضها الآخر، ومع ذلك فالاعتماد ليس على ما ثبت بالإجازة؛ إذ هي أحاديث قد رويت بالسماع أو القراءة على الإمام أصلاً، وثبتت بالموسوعات الحديثية المتقدمة، ثم مع هذا كله وضعوا شروطاً دقيقة لهذه الإجازة، أهمهما أن يكون المخطوط معلوماً موثقاً، ومن ثمَّ يُجيز إمامٌ معيَّنٌ لطالبٍ معيّن بكتابٍ معيّن، وما عدا ذلك فلا يصح على الأرجح، ثم قرروا أنّ باقي الصّور فيها ضعف؛ ليبينوا أنّ أضعف صورة للتحمل: الوجادة، وهي أن توجد مخطوطة ولا يكون السند متصلاً بالسماع أو القراءة أو الإجازة؛ فلا تقبل، وهذا مؤشر على شدة التدقيق.
  6. ثم لك أن تتصور كيف يتم فحص راوي الحديث حتى يعتمد أنه ضابط، فلو قدرنا أنه روى مائة حديث؛ فستجد أنه شاركه في معظمها رواة آخرون بنسبة 80٪ تقريباً أو أكثر، فإذا كان يوافق من شاركه بنسبة 95٪ فأكثر علموا أنه ضابط.
  7. ثم تجد من مؤشرات هذا الضبط أن الراوي الذي سمع الحديث في اليمن يوافق الرواي الذي سمع في الشام أو مصر، فكيف تم ذلك لولا الضبط؟
  8. ثم إنك تجد الحديث الذي رواه البخاري عن ابن أبي شيية تجده هو نفسه في كتاب ابن أبي شيبة، وإذا كان روى ابن أبي شيبة عن وكيع أو الشافعي مثلاً أو مالك تجد الرواية ذاتها في تلك الكتب المتقدمة عليه، ثم الرواية التي سمعها البخاري أو مسلم من عشرين شيخاً من أمصار متباعدة هي رواية واحدة، فتجد البخاري يسمع الحديث في الشام من أحد الشيوخ، فإذا انتقل إلى مكة سمع الحديث ذاته من شيخ آخر، فإذا انتقل إلى بغلان في أفغانستان سمع  الحديث ذاته من شيخ آخر باللفظ أو المعنى المطابِق أو المقارب، وهكذا شيوخ البخاري إلى الرسول ﷺ مع عدم توافر وسائل الاتصال اليومية المعروفة اليوم؛ أي لا مجال للقول إنهم تواطؤا على وضع شيءٍ من ذلك، وكان عمدتهم الرحلة، وهكذا فحصوا ضبط الرواة بموافقهتم بعضهم بعضاً، أو بفحص الرّاوي نفسِه بأنْ يُسألَ مراراً عن مسألةٍ أو حديثٍ في فترات متباعدة؛ فيُنظر هل تطابقت إجابته أم لا.
  9. كما نلاحظ أن الحديث الذي يرويه أبو داود أو غيره عن شيوخه هو نفسه في المصادر الموازية أو المتقدمة من طريق شيوخ آخرين.
  10. وكذا اشترطوا شروطاً دقيقة في قبول مخطوطات العلماء والرّواة؛ بأنْ يتّصلَ سندهُا مِن كاتبها إلى مَن رواها لنا، وأنْ يُثبَتَ عليها السَّماعات الـمُحقِّقَة لذلك، مع شروط دقيقة في مواصفات النَّسْخ والضّبط، وضرورة المقابلة بين النُّسَخ وتطابقها، بحيث لو وُجِدَ طمس أو كشطأو تغاير أو إقحامٌ لكلمة؛ توقّفوا فيه حتى يتبيّن الصّواب.
  11. ومع ذلك لم يحكموا بالوثاقة إلا إذا توافرت العدالة (صدق وحسن سيرة وسلوك) وهذه لا تثبت للراوي إلا بالمعاصرة والمعاشرة والخبرة الذاتية؛ لذلك حكموا على كثير من الرواة بالجهالة ولم يقبلوا حديثهم؛ لأنه لم يثبت عدالتهم معاصروهم، ولم يعرِّفوا بهم.
  12. ربما يتساءل البعض عن الأحاديث التي انفرد بها بعض الرواة، فهذه ينظر أولاً إلى كم وافق الراوي المنفردُ الثقاتَ فيما شاركهم مِن أحاديث أخرى، ووافقهم فيها، وكم نسبة الإنفراد؛ فإذا كثرت المخالفة (أكثر من 10٪ تقديراً) أو كثر الانفراد لم يقبلوا الحديث.
  13. وهذا كله فضلاً عن علم العلل الذي يبحث في الانقطاع الخفي أو الخطأ الخفي، سنداً ومتناً، وخاصة الأخطاء التي قد تقع من الثقات، ولهم منهج دقيق في الكشف عن هذه الأخطاء، ومعلوم أن انتفاء العلة من شروط صحة الحديث.
  14. كما يشترطون انتفاء الشذوذ، والشذوذ: مخالفة الثقة لمن هو أولى منه أو التفرّد بما لا يُحتَمَلُ تفرّده، ومن هنا نشأ نقد المتن إلى جانب نقد السند، فيعرضون الحديث على القرآن والعقل (أي القوانين العقلية الكليّة) والتاريخ والعلم والسنة الثابتة.

لتحميل المقال كاملا بصيفة ملف  اضغط هنا

Share this post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة