إضاءةٌ في طَرِيقِ طَالبِ العِلمِ (1)

-2.jpg

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله قُدوتِنا ومُعلمِنا، القائل: (مَنْ سَلَكَ طَريقا يَلتمسُ فِيْهِ عِلماً سَهَلَ اللهُ لهُ به طَريقاً إلى الجَنَّة) [رواه مسلم وأصحاب السنن].

فالعلم له طريق وسبيل، وفيه مصاعب وعوائق، ويتطلب آداباً وصبراً ومجاهدة، وله بعد ذلك آثار وثمار وخيرات وبركات.

وفي مستهلِّ هذه الإضاءة أستعير هذه الأبيات، فهي عندي أصدق ما تكون في طالب العلم:

 

أنْتَ الربيعُ، فأيُّ شيء في الحياة إذا ذَبُلْتَ؟

 

أنْتَ المَضاءُ، فأيْنَ تَنْطَلق الحياة إذا مَلَلْتَ؟

 

أنْتَ الحياةُ، فَقُمْ إلى الأنحاء وانْظرْ مَا فَعَلْتَ!

 

لا شك أنَّ كلَّ هدفٍ سامٍ رفيع القّدر لا يُنَال بالتَّمني، وطلب العلم مِنْ أسْمَى وأنْبَل المَطالب والغايات إنِ ابتُغِيَ به وجهُ الله تعالى، فهل أدَّيْنَا حَقَّهُ؟ وهل بذلنا الوُسْع فِيْه؟

فالعلم مرقاة الفلاح وسبيل النجاح، فينبغي أن يُحْتسب فيه كلَّ جهدٍ، فالشَّيخ والأستاذ المُعَلم يحتسب ويؤدي دوره ويصبر على الطالب، والطالب كذلك في درجات العِلمِ يَسْتبصر طريقه شيئاً فشيئاً، إذْ إنَّ طريقَ التَّعلمِ يمتدُ مع الحياةِ إلى لحظات الانتقال إلى الآخرة، ومِنْ أَدَبِ الطَلَبِ والتَّحصيل الصبر على مشاقِّ التَّعلم، وعلى طرق تحصيله وأدواته بحسب الزمان والمكان.

وبهذه المعاني نتدبر قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(مَنْ سَلك طريقاً يلتمسُ فيه علماً سَهَلَ اللهُ لهُ طريقاً إلى الجَنَّة) [رواه مسلم، وأبو داود والترمذي].

ومن هنا تأتي لذة العلم، لمَ لا وهو طريقكُ إلى الإيمان والجنان، وبلوغ المعاني السامية والفهوم الراقية. 

والسعادة كلُّ السعادة في فهم الحقائق التي خُلقنا لأجلها، وبلوغ النجاح في الدنيا، في اعتقاد صحيح، وعبادة سليمة، وخلق متين، وأدب ظاهر، وحسنٍ في الباطن.

فهو طريق نسير فيه إلى الحق؛ معرفةً، فنحبه ونستمسك به، والتزاماً؛ فنهتدي ونجني ثماره، ثم ثباتاً ودفاعاً، ثم انتشاراً وانتصاراً.

نرثُ هَدي النُّبوة، ثُمَّ نُتْبِع العِلمَ العَمَلَ، وميدانُ عملنا: مع الأسرة، مع الحي، مع المجتمع، نَعِيشُهُ في بِيوتِنا، نَحْيَا بِه مع أزواجنا، مع أبنائنا، مع جيراننا، مع أصحابنا، ونُوَرِّثُهُ مُسَلْسلاً مُسْنداً لمَنْ بَعْدنا، غَضَاً نَقِيَاً صَافِياً مِنْ تَحْرِيفَ الغَالِينَ، وادِّعَاءَ الْمُبْطِلِينَ وتشويه المُفرِّطِين. 

أنتم كشمسِ الصباح التي تنسخ ظلام الليل، بسيوف أقلامكم تواجهون تحديات العصر، وتفندون شبهات الشَّر، ترفعون منارات الطريق، تبددون بؤر الظلام.

وفي موطأ  الإمام مالك عن لقمان الحكيم: (فَإِنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْقُلُوبَ بِنُورِ الْحِكْمَةِ كَمَا يُحْيِي اللَّهُ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِوَابِلِ السَّمَاءِ). 

فأنتم -طلاب العلم- كالماء النازل من السماء، يحيي الله تعالى بكم قلوب العباد بما ورثتموه مِنْ هُدَىً ورشاد.

وهو طريقٌ يَبْدأُ مع فهم مسألةٍ، واكتساب معلومةٍ، وحِفظِ آيةٍ، وتَسْوِيدِ صحيفة، ويمر باستيعاب مسائل وأصول وفروع وقواعد، ومن سار على الدرب وصل.

لنجد أثر العلم في نفوسنا بعد حينٍ،

 وندركَ كم محاضرةٍ حضرناها أثمرتْ بركةً في حياتنا،

 كم درسٍ ترك أثراً في نفوسنا، 

كأثر حليب الأم في فتق أمعاء الرضيع؛ فالعلمُ يُفَتِّقُ العقل والقلب بنوره، ويفتح فيهما سُبُلَ المَدارك والهدايات.

نعم الهدايات، وأي شيءٍ أعظم من الهدايات؟! وهي نِعْمة عُظمى ومِنَة كُبرى مِنْ رَبنا سُبحانه القائل: {وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَآتَاهُمۡ تَقۡوَاهُمۡ﴾

سنجدُ في طريق العلم ثماراً وآثاراً، ولكن قف معي لحظة، وتأكد من سلامة النية وصدق الطوية، وإيَّاكَ أنْ تُفْسِدَ بَركة العِلم بما لا يليق بطالب العلم، فَتُفْسِدَ على نفسك ما كنتَ تأمل وترجو…

سنجدُ ثمراتٍ يانعاتٍ

 

في سلوكنا وخُلقنا..

 

في عقولنا وفهمنا..

 

ثمّ في بيتنا وحَيِّنا..

 

وذلك ما بقينا في طريق التعلم.

 

ومن جميل ما قيل:

 

العِلْم يبنِي بيتًا لا عمادَ لهُ   ***   والجهْلُ يفنِي بيتَ العزِّ والكرَمِ

 

تحملون الخير .. تزرعون الخير .. تحصدون الخير .. علماً ودعوةً وبناءً وجهاداً.

وليس بخافٍ عنكم أنَّ طريق التعلُّم لا بد فيه من ظهور بعض المصاعب والمتاعب، 

من بذلِ مالٍ أو سفر، وبذل أوقاتٍ، أو فراق أهل، فهل أنتم مستمرون؟

وترك مباحاتٍ محبوبة للنفس لأجل التفرغ للعلم، فهل أنتم مستعدون؟

لا شك؛ أجدكم تهتفون: أنْ نَعَمْ، مُستمرون، مُستعدون، بقلوب صادقة، ولَنِعْمَ الهتاف.

ولا نَغْفَل هنا في مقام التناصح والتذاكر في طريق التَّعلم عَنْ نوعٍ آخر مِنَ الصَّبرِ، إنه الصَّبر على المعلم، نعم لا تعجب، وقد قيل: (لا يكمل طالب العلم حتى يأخذ العلم عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه)، أي لا يأنف من أخذ الصواب ولو ممن هو تلميذ له، ومنها الصبر على الوسائل والوسائط التي تكون سبباً في التَّعلم.

فلو لمْ نَدرس إلا بما كانت وسيلته لَنَا مُريحة أو مما نُفَضِّلُه، أو فقط عِنْد مَنْ نُحِبُ؛ لمَا تَعَلَّم أحدٌ علماً ولا فهم حكماً، ولا رأينا في العلمِ عالماً جبلاً ولا حافظاً متقناً.

فجدد نيتك في رفع الجهل عن نفسك، وامتثال العمل بما تعلمت، وحفظ الشريعة الغراء ونشرها والذود عنها.

وأَقْبل على كتابك ودرسك وأقلامك بقوة وحب، رغبةً في الثمرات، ورهبةً مِنْ المُضِلات.

 

وأختم بهذه الأبيات البديعات لأبي زيد القيرواني، الملقب بمالك الصغير:

 

الْعِلْمُ أَشْرَفُ مَكْسُوبٍ فَخَرْتَ بَهِ * وَالْجَهْلُ أَشْـأَمُ مَصْحُوبٍ تُوَاصِلُهُ

وَالْعِلْمُ أَزْيَنُ ثَوْبٍ أَنْتَ لَابِسُهُ * وَالْعِلْمُ أَفْضَلُ مَحْمُولٍ تَحَمَّلُهُ

لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ التَّعْلِيمِ مَنْزِلَةً * وَلَا تَكُنْ أنِفًا عَمَّنْ تُسَائِلُهُ

يَا طَالِبَ الْعِلْمِ أَبْشِرْ فَي تَعَلُّمِهِ * إِنْ كُنْتَ لِلَّهِ تَبْغِيهِ وَتَأْمُلُهُ

 

وفقني الله وإياكم لحسن الطلب وخير العمل، والحمد لله أولاً وآخراً.

 

✍بقلم: أ. محمد بن مصطفى الشامي

مدير المنصة الإلكترونية – أكاديمية مكة المكرمة

Share this post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة