ضوابط وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1)

-الامر-بالمعروف-1.png

                                                                                                           بقلم: أ / محمد الشامي 

  

 مما شُرفتْ بِه هذه الأمة أنها تحمل رسالة الإسلام العظيم إلى العباد فهي أمّة الخير لأنها تحمل الخير وتعمل به وتدعو إليه قال تعالى: {كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ}[1].

   فلا بد للمسلم أنْ يَعي دوره في هذه الفريضة التي فرط فيها الكثير من الناس قياماً لله تعالى بما أمر، وقياماً بحق الخير الذي نحمله وندعو إليه وقياماً بحق الأخوة نصحاً وارشاداً، فالبعض يقوم على الأمر والنَّهي بلا علمٍ ولا حكمةٍ ولا انضباط بالضوابط والآداب التي يتطلبها فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ولقد اهتم العلماء في توضيح معالم وضوابط وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال بحثِ واستقصاءِ جملة الأدلة الواردة في الكتاب والسنة.

وسنستعرض في هذه المقالة ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجاءت في عشر نقاط.  وفي جزء آخر سنستعرض الآداب التي يجب التحلي بها عند الأمر أو النهي.

  • 1- العلم:

أول ما ينبغي استحضاره من قِبل من يقوم على الأمر أو النهي أن يكون على علم بالحكم الشرعي فيما يأمر به أو فيما ينهى عنه، ولا يصح منه الكلام وفق الظن أو التقدير أو وفق ما يلتزمه هو من عادات ونحوها مما لا يعرف حكمه في الشرع.

 " لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر الا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فما ينهى عنه" [2]

وقال الإمام النووي رحمه الله: “فإن كان من الواجبات الظاهرة أو المحرمات المشهورة، كالصلاة والصيام والزنا والخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء"[3]

إذنْ ثمة أمور يعلمها كل مسلم وثمة أمور يختص بمعرفتها أهل العلم والمجتهدين، فالمسلم العامي يعلمُ أمورَ الصلاة والصيام ونحوها من الواجبات، ويعلمُ حرمة الرِّبا والغش وكشف العورة فينهى عنها، وهذا ما يسمى المعلوم من الدين بالضرورة، وما سوى ذلك يختص به أهل العلم.

2- الأولى فالأولى:

     القاعدة في هذا أنْ يبدأ بالأمر بالواجبات قبل السنن وأنْ يَنهى عن المحرمات قبل المكروهات، وكثيراً ما يَجْتمع في الموقف الواحد معروفان أو منكران، فيُشْكِلُ على المسلم بأيّهما يبدأ، بالأمر أم بالنهي؟ فإن الأَوْلى في كل ذلك أن يقدم الفرض قبل السُّنة في الأمر وأن يقدم في النَّهي المُحرم قبل المكروه، إلا إذا كان يَقدر على أحدهما دون الآخر فيأمر أو يَنْهى على ما يقدر عليه دون ما لا يقدر عليه.

    ومن مثال ذلك لو اجتمع في بائع الغش والحلف في البيع، فالغش من المحرمات والحَلفُ من المكروهات فيجب تقديم النهي عن الغش على النهي عن الحلف، ولكن إنْ خشي على نفسه أو لم يَقْدِر لسببٍ صحيح على أنْ يَنهى عن الغش فله أنْ يَنْهى عما يستطيعه، وذلك لا ينفي أنْ يَنْهَى عن المخالفتين معاً لكن لابد من مراعاة الأولى فالأولى أمراً أو نهياً.

كما قد يجتمع منكر يحتاج إلى نهي عنه مع معروف يترك يحتاج إلى أنْ نأمر به، ومثال ذلك:

إقامة الصلاة بعد دخول وقتها وأحدهم جالس لم يقم إلى الصف وقد لبس لباسا متسخا، فهنا هل يأمر هذا الجالس أن يقوم إلى الصلاة أم يذكر له اتخاذ الزينة من اللباس عند الصلاة؟ وقد يكون الموقف لا يستوعب إلا أمرٌ واحدٌ!

والجواب أنْ يقدم الأولى فالأولى وهنا لا شك أنه الأمر بالصلاة.

 

3- ألا يؤدِ إلى منكر أكبر من الأول:

  وهو فقه مهم يغفل عنه الكثير من الناس بل ربما بعض الدعاة، وذلك مستنبط من الحديث العظيم الذي تروية السيدة عائشة أم المؤمنين، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهَا: « يَا عَائِشَةُ لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»[4]. وفي الحديث دلالةٌ واضحةٌ على ترك الصواب خشية فوات ما هو أبلغ وأهم منه أو خشية وقوع فتنة بين الناس، وكم سمع الناس بنهي عن منكرٍ جرَّ منكراً أعظم من الأول والله المستعان، وما وقوع ذلك إلا لقلة الفقه في هذا الباب وقلة الإخلاص نسأل الله السلامة.

4- الموازنة في حال اختلط المنكر بمعروف:

وهذا يشبه النقطة السابقة في وجه، ومن مثال اختلاط المعروف مع المنكر ما قد يقع في بعض المساجد مما يخالف السنة من بدع أو عادات فإن نهى أحدهم عن تلك المخالفات لربما أدت إلى نفور الناس عن المسجد، فكيف التصرف الصحيح؟

وندع الإجابة لابن تيمية رحمه الله إذ يقول: " وعلى هذا إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يفرقون بينهما بل إما أن يفعلوهما جميعاً أو يتركوهما جميعاً، لم يجزْ أنْ يؤمروا بمعروف ولا أنْ ينهوا عن منكر بل يُنظر، فإنْ كان المعروف أكثر أَمَرَ به، وإنْ استلزم ما هو دونه من المنكر، ولم يَنْهَ عن منكرٍ يستلزم تفويت معروف أعظم منه، بل يكون النَّهي حينئذ من باب الصَّدِ عن سبيل الله والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات، وإنْ كان المنكر أغلب نهى عنه وإن استلزم فوات ما هو دونه من المعروف، ويكون الأمر بذلك المعروف المستلزم للمنكر الزائد عليه أمرٌ بمنكرٍ وسعيٍ في معصية الله ورسوله وإنْ تكافأ المعروف والمنكر (المتلازمان) لم يؤمر بهما ولم يَنْهَ عنهما" [5]وبمثل ذلك قال كثير من العلماء.

5- المسائل الخلافية لا تدخل في الأمر والنهي:

وذلك إذا كان الخلاف معتبراً عند أهل العلم وخاصة عند المذاهب الإسلامية المتبعة، لأنَّ لكل مذهب إمام ودليل عليه العمل، ولا يمكن أنْ يتفق أهل العلم في كل الفروع والأحكام، ونعم المصيب واحدـ؛ لأنّ الحق واحد لا يتعدد والمخطئ غير متعيّن لنا ولا يمكن الجزم بالصواب مطلقا، والإثم مرفوع عن المجتهد وعمّن يتابعه ويقلده، ولا يمنع ذلك من الرّدِّ العلمي ومناقشة المخالف بالأدلة ونحو ذلك.

وتحدث الفقهاء عن الخروج من الخلاف وهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق كما قالوا، واتفقوا على أنّ الخروج من الخلاف سنّةٌ إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر.[6] أما الخلافُ الشّاذُ أو غير المعتبر فيحق بل يجب الإنكار على صاحبه، لعدم قيامه على دليل مقبول ولا قيمة لهذا النوع من الخلاف ولا يمنع من الإنكار.[7]

6- المعرفة بحال من يأمره أو ينهاه:

 وهذا نحو من دخل بلداً وهو لا يعرف عاداتهم أو لهجاتهم أو مذاهبهم الفقهية[8] وسوى ذلك، وخاصة ما قد يكون ممن حاله الاضطرار كمن جاز له أكل الميتة، وكمسافر أفطر في رمضان ونحو ذلك.. واختلال معرفة أحوال من نأمره بمعروف أو ننهاه عن منكر قد يتسبب في الخطأ أو الحرج أو الوقوع في منكر آخر.

 

7- أن يكون المنكر ظاهراً:

فلا يتحسس ولا يتجسس على الناس، فلا يصح ولا ينبغي لمن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنْ يتتبع عورات الناس ويكشف أستارهم ولا يبحث عما لم يظهر منهم، واستثنى العلماء من ذلك ما يفوت استدراكه من المُحرَّمات كمن اختلى برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فيصح الإقدام على الكشف[9].

 

8- أنْ يكون المنكر واقعاً في الحال لا في الماضي:

 فلا يجري الإنكار على ما وقع من شخص ما من منكرات في أزمان ماضيّة، إلا إن كان من باب التذكير بالتوبة ونحوها لمن فرط أو قصر في حق الله تعالى أو في حقوق الناس.[10]

 

9- تأجيل الأمر أو النهي إلى وقت مناسب:

    إذا احتمل التأخير فالكثير من الناس نراه من المتعجلين في الأمر أو النهي فيما يصادفه من الأمور والحق أن المسارعة في النصح والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر محمودة غالباً إذا كانت في الواضحات وفي المواقف التي قد لا تحتمل التأجيل. لكن نخصص الحديث عن كثير من المواقف والحالات التي تحتمل التأخير إلى وقت أنسب أو مكان أبلغ في الأمر أو النهي؛ حتى يحصل التأثير الذي يدفع الناس إلى الاستجابة كأن يؤجل أحدهم أمر أحد جيرانه إلى يوم الجمعة أو إلى وقت زيارته أو حين يجد منه رقة في القلب أو همة في العبادة ونحو ذلك… وهذا من الفقه الدقيق والعمل السليم نسأل الله التوفيق.

 

  • 10- استثمار الفرص في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 ويقصد بذلك من أوقات وأماكن مخصوصة وتجمعات كالجمع والجماعات، فما يتقبله الناس في رمضان أكبر وأكثر مما يتقبلونه في سواه، وكذلك في الحج ونحوه من مواسم وأماكن العبادة.

ومن خلال ما تيسر بيانه وذكره وبمراعاته يتضح للمسلم متى يأمر ومتى ينهى ومتى لا يأمر ولا ينهى. فلا ينهى عن منكر وقع في الماضي ولا يتجسس من أجل ذلك ولا ينهى من لا يعرف حاله ولا يُدخل الخلاف الفقهي في مسائل الأمر والنهي ويوازن في حالات اختلاط المعروف بالمنكر ويأمر بالأولى والأهم ودون أن يؤدِ إلى منكر مماثل أو أكبر من الأول ولا يأمر ولا ينهى إلا عن علم… والله الموفق وهو الهادي والحمد لله رب العالمين.

[1] سورة آل عمران /110.

[2]  ابن تيمية، الاستقامة، مرجع سابق ج2 ص 233.

[3] النووي، شرح صحيح مسلم، مرجع سابق ج1 ص 213.

 [4] رواه البخاري برقم ((1586))

[5] مجموع الفتاوى ج 28 ص 128 وما بعدها.

[6] انظر: النووي، شرح صحيح مسلم ج1 ص 213. عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة ص 183.

[7] عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة ص 183.

[8] انظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى ج 28 ص 138.

[9] انظر: النووي، شرح صحيح مسلم، ج1 ص 216.

[10] انظر: عبد الكريم زيدان، أصول الدعوة ص 182.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة