من مقاصد الحج في الإسلام

-مقال-الحج.jpg

بقلم: سمير جلول

ماجستير في الشريعة الإسلامية

    يستعد ضيوف الرحمن لأداء فريضة الركن الخامس، تلك الفريضة تحمل في طياتها من المقاصد والمعاني ما يجعل المسلمين أشد حرصاً على أدائها، ومن تلك المقاصد الجديرة بالتأمل والاهتمام.

أولاً: الإحرام يُذكّر الحاج بأول منازل الآخرة:

إن أول المقاصد التي تضح جلياً من ارتداء ملابس الإحرام والتجرد من كل المتعلقات، هو تذكر أول منازل الآخرة، ألا وهو القبر، فكما أن نزيل القبر تخلى عن الطيبات والثياب، والدنيا كذلك حال المحرم، إذ تخلّى عن طيبات الدنيا وزينتها.

 

ثانياً: التذكير بيوم الجمع:

   ففي الحج يجتمع الناس من كل حدب وصوب على اختلاف بيئاتهم ولغاتهم، وأجناسهم وأعراقهم، في صعيد واحد في يوم عرفة، لا يملكون شيئاً من حطام الدنيا إلا ما يواري سوءاتهم، جاؤوا شعثاً غبراً، تخلوا طواعية عن أولادهم وأموالهم ومناصبهم وسلطانهم؛ ليقفوا في هذا الصعيد الطاهر أداءً للفريضة وطلباً للمغفرة، والفارق بين هذا الجمع وبين يوم الحشر أن الأخير يوم حساب وجزاء لا طلب ولا رجاء، كما أنه يعم الناس جميعا أولهم وآخرهم على سبيل الجبر والاضطرار لا على سبيل الرغبة والاختيار فضلاً عن كونهم حفاة عراة.

ثالثاً: مجاهدة النفس وتحمل المشاق وإحياء روح الجهاد:

وهذا المقصد يظهر من خلال تنقل الحجاج من مكان إلى مكان، بدءا من منازلهم حتى وصولهم إلى مكة المكرمة، ثم الدخول إلى بيت الله الحرام، وفي تحمل زحام الطواف والسعي، ورمي الجمرات، وتشتد ذروة المجاهدة والصبر يوم النحر حيث يجتمع فيه الرمي، والحلق والتقصير، والذبح، والطواف بالبيت وهذا كله يتطلب من الحاج أن يكون قويا مستطيعا لتحمل هذه المشاق، وفي هذا تذكير بأن روح الجهاد في الأمة لابد أن تبقى حية لا تموت أبدا؛ لأنه ذروة سنام الإسلام ومصدر عزتها وقوتها.

رابعاً: التربية على الصبر والإيثار:

في الحج يأتي الناس من بقاع شتى تختلف طبائعهم ففيهم اللين الجانب، وفيهم الغليظ الفظ، وفيهم الحاد الطبع، وفيهم الشديد، وفيهم الضعيف، وفيهم الشيخ الهرم والشاب اليافع والصبي الصغير والطفل الرضيع ولابد للحاج أن يتحلى بخلق الصبر والإيثار فلا يزاحم الكبير، ولا يقسوا على الصغير، لاسيما عند الطواف والرمي وتقبيل الحجر، ويتذكر دوما قوله تعالى: “الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ" [سورة الْبَقَرَةِ: 197].

خامساً: التذكير بمبدأ الأخوة ووحدة الصف:

فاجتماع الحجاج في صعيد واحد من بلدان شتى في أداء فريضة دون تمييز بين غنيهم وفقيرهم، وعربيهم وعجميهم، يعبدون إلهاً واحداً، ويقتدون بنبي واحد، وقبلتهم واحدة، وهدفهم واحد، وتلبيتهم واحدة،  إنها الأخوة أخوة الإسلام، وإخوة الدين التي جمعتهم يقبل بعضهم بعضا، ويؤثر بعضهم بعضا، يقفون في الصلاة صفا واحدا، يستمعون  أمر إمامهم  في الصلاة  “استووا" فتراهم في لمح البصرـ من تكلف ـ صفت أقدامهم مع أكتافهم صفا كأنهم بنيان مرصوص، أو حبات لؤلؤ في عقد منظوم “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (سورة الأنفال 63).

سادساً: وحدة الهدف والمصير:

          ترى الحجاج جاؤوا من كل فج عميق، لمقصد واحد إنه طلب المغفرة، والتقرب إلى الله بأداء ما افترضه عليهم، تحت لواء واحد، إنه الإسلام وشعار واحد “لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وهكذا يجب أن يكون المسلمون في هدفهم وشعاراتهم فكل شعار سوى الإسلام باطل، وكل مقصد لا يخدم الإسلام مردود على صاحبه.

سابعاً: التعارف:

          جاء الحجاج من بلدان وقبائل شتى، في مكان واحد جمعتهم أخوة الإسلام، والتعارف بينهم أمر حتمي ـ  وإن كانوا من بلد واحد ـ  نظرا لوحدة المكان، وطول المقام، وبهذا التعارف  تزداد  روابط الألفة والأخوة  بينهم، وكثيرا ما يمتد هذا التواصل إلى ما بعد العودة إلى ديارهم، حيث تتواصل مراسلات البر والمعرفة، وتزداد روابط المحبة بينهم، وهذا من مقاصد الإسلام ، قال تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (سورة الحجرات 13).

ثامناً: التوقيف في العبادة دون البحث عن عللها:

يذكرنا الحج بأن العبادات توقيفية لا دخل لأحد فيها بتبديل وتغيير، أو نقصان زيادة؛ لأن الله تعالى هو الذي شرعها، واختار لعبادة التعبد وفق ما أراد سبحانه لحكمة يعلمها هو، ولا يحق للمسلم أن يشغل نفسه بالبحث عن علل تقبيل الحجر، أو الجلوس في منى أياما دون عمل شعائر سوى أداء الصلوات فقط، أو الطواف من الكعبة يساراً وغير ذلك، فالمسلم يتعلم من هذا وغيره كيفية الاستسلام والتسليم لله فيما أمر لعبادته دون البحث عن علتها؛ لأنه من تمام الإيمان.

 وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة