دَوْرُ المعاهد الشَّرْعيَّة في تُركية في تعليم اللُّغة العربيَّة

-2.jpg

الكاتب: قاسم عثمان جبق- باحث دكتوراه

مُقدِّمة

لا رَيْبَ في أنَّ اللُّغة هي الأداةُ الأولى لِتَواصل البشر وتفاهمهم، وقد غَرَسَ الله – سبحانه وتعالى- في كِيان كلِّ إنسان القُدْرَة على النُّطق لِيُعَبِّر عمَّا يريد ممَّا يَعْتَمِل في صدره، فللُّغة دورٌ كبيرٌ مُهِمٌّ في نُشُوء الأُمَمِ واستمرارِها ورُقِيِّها، في الماضي والحاضر والمُسْتقبل، إذ يرتبط وجودُ أيَّة أمَّة مِن الأمم وبقاؤها بوجود لُغتها الخاصَّة بها، وأهمُّ ما يُميِّز الأمَّةَ العربيَّةَ لُغتُها العربيَّة الَّتي توافرت فيها كُلُّ أسباب القوَّة والنَّمَاء، ولم يُعْرَف لها على وَجْهِ اليقين وِلادةٌ ونَشْأة، وإنَّما عُرِفت ناضجةً مُكْتَمِلَةً في كلام العَرَب شِعْرِهم ونثرِهم، وازدادت قُوَّةً وعالميَّة بإنزال الله- سبحانه وتعالى- القرآنَ الكريمَ بها، وغَدَت العربيَّة لُغَةَ الدِّين الإسلاميِّ الخَاتَم الَّذي حَمَلَه رسولُنا مُحمَّد، صلَّى الله عليه وسلم، وهو مَنْ هو في الفصاحة والبلاغة، وقد قال عن نفسه:" أنا أَفْصَحُ العَرَب بَيْدَ أنِّي مِن قُريش واسْتُرْضِعتُ في بني سَعْد". وبِفَضْل القرآنِ الكريمِ الَّذي ساهم إلى درجة كبيرة في حِفْظِ اللُّغة العربيَّة، استطاعت العربيَّة الانتشارَ في مُخَتَلَف أَصْقاع الأرض، فغدَت لُغَةً عالميَّة.

1- حقيقةُ اللُّغة وأَفْضَلُ سُبُل تعلُّمِها

مِن المعلوم أنَّ اللُّغة أصواتٌ مَسْمُوعةٌ قبلَ أن تَغْدُوَ حروفاً مكتوبة، وها هو ابن جنِّي يقول: " اللُّغة أصواتٌ يُعَبِّرُ بها كلُّ قَوْمٍ عن أغراضهم وحاجاتهم “، وللأصوات جارِحَةٌ تَسَتِجيب لها، وهي الأُذُن، ولذلك فالسَّماع هو الوسيلة الأولى لتعلُّم اللُّغة، فاللُّغة مَلَكَةٌ سماعيَّة قَبْلَ كلِّ شيء، وكلَّما أكثرَ الإنسان مِن السَّماع تَعَلَّم اللُّغة أَسْرع، ولا سيِّما في السَّنوات الأُولى مِن عُمُرِهِ. وقد غرس الله- سبحانه وتعالى- في الإنسان مَلَكَةً لتعلُّم اللُّغة، فالطِّفل يُولَدُ ولديه استعدادٌ فِطْرِيٌّ لتعلُّم اللُّغة، فإذا ما سَمِعَ اللُّغة مِنْ مُحِيْطه فإنَّه يُقَلِّد ما يسمعه مِن أصوات.

2- دور المَعَاهد الشَّرعيَّة في تركية في تعليم العربيَّة

للمعاهدِ الشَّرعيَّة الَّتي تُعْنَى بتدريس علوم القرآن الكريم والحديث النَّبويِّ الشَّريف والعربيَّة وغَيْرِها دورٌ بارزٌ في المُحافظة على العُلوم الإسلاميَّة واللُّغة العربيَّة، وجُهُودُها مُبارَكةٌ مَبْرُورةٌ، لكنْ ثَمَّةَ أمورٌ ينبغي لتلك المعاهد أن تُولِيَها أكبرَ الاهتمام في تعليم العربيِّة، لتكون مَناهلَ صافيةً ثَرَّةً لطُلَّاب العلوم الشَّرعيَّة والعربيَّة، ولِتقومَ بدورها المُنَاطِ بها في نَشْرِ العِلْمِ والعمل به على أَكْمَلِ صورة، وسأُشير إليها بإيجاز:

1- العربيَّة لا تُتَعَلَّم بالنَّحْوِ وَحْدَه

صحيحٌ أنَّ للنَّحْوِ دَوْراً كبيراً في حِفْظِ اللُّغة وصَوْنِها، لكن لا ينبغي أن يُقْتَصَر في تعليم اللُّغة العربيَّة عليه، فتدريس النَّحْوِ والصَّرْفِ وتدريس شيءٍ مِن البلاغة العربيَّة لا يكفيان، بل يجب أن تَضمَّ المناهجُ التَّعليميَّة نُصُوصاً أدبيَّةً عاليةً سواءٌ أكانت آياتٍ قرآنيَّةً كريمةً أم نُصُوصاً شِعْريَّةً أم نصوصاً نثريَّة عالية، مع العِناية بضرورة حِفْظِ الطُّلاب تلك النُّصوص بَعْدَ فَهْمِها وتَذَوُّقِها، فالتَّذوُّق الأدبيُّ مُهِمٌّ جِدَّاً، ولا مَناصَ منه إذا أردْنا لِجِيْلِنا النَّاشئِ ذَوْقاً لُغَويَّاً وحِسَّاً أَدَبيَّاً رفيعاً.

2- ينبغي زيادةُ الاهتمام بالكتابة والإنشاء، وأن يكون لهما نصيبٌ وافرٌ في المناهج التَّعليميَّة، مع الحِرْص على تمرين الطُّلَّاب على الكتابة مِن حِينٍ لآخر.

3- ضرورة تَحدُّثِ المُدَرِّسين والطُّلاب باللُّغة الفُصْحَى في قاعة التَّدريس جُهْدَ استطاعتهم

كثيرةٌ هي الدَّعَوات الَّتي دَعَت-وما تزال- إلى إحلال اللُّغَاتِ العامِّيَّة مَكانَ اللُّغة الفُصْحَى، وكثيرةٌ أيضاً دعواتُ إزالة الإعراب عن الكلمات، ولكنَّها كلَّها لم يُكْتَب لها النَّجاح، ولله الحَمْد. فلا يمكن أن تَفْنَى اللُّغة العربيَّة الفَصِيحةُ، ذلك أنَّ بقاءَها مُرتَبِطٌ ببقاء القُرْآنِ الكريم، وقد ضَمِنَ الله- سبحانه وتعالى- حِفْظَ كتابه الكريم بقوله: ﴿ إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾.

ما ينبغي لنا أن نسمحَ للعامِّيَّة أن تُهَيْمِنَ في التَّدريس وفي تعليم القرآنِ الكريمِ وفي التَّواصل في شِبَاكِ التَّواصُل(الاجتماعيِّ)، وذِرْوَةُ الخَطَرِ أن نَرَى العامِّيَّة قد بدأت تَزْحَفُ إلى مُعلِّمي العلوم الشَّرعيَّة والعربيَّة، فمِنْ غَيْرِ المَقْبُول أن يَتَحدَّث المُدِّرس بكلامٍ عامِّيٍّ سَقِيْمٍ عَقِيْمٍ، وهو يُحاضِر مثلاً في عُلُوم القرآن الكريم أو في الحديث النَّبويِّ الشَّريف أو في العربيَّة، ولا قِيْمَةَ لَدَعْوَى مَنْ يَدَّعي أنَّه يَلْجَأ إلى العامِّيَّة لِتَقْريب كلامِهِ مِن العُقول والأفهام، ولأنَّه بالعامِّيَّة يستطيع التَّعبيرَ بدقَّة. ولَعَمْرِي إنِّه لَعُقُوقٌ للعربيَّة وأهلِها، والتُّحدُّث بالفُصْحَى لا يحتاج مَجْهُوداً كبيراً، وإذا ما أعطى المعلِّمُ درسه بالعامِّيَّة فإنَّه يكون عندئذٍ قد قَلَبَ للعربيَّة وأهلِها ظَهْرَ المِجَنِّ، وقد قال الإمام مالكٌ، رحمه الله: " مَنْ تكلَّم في مَسْجِدِنا بِغَيْرِ العربيَّة أُخْرِجَ منه “.

4-المُعلِّم

يجب أن يُحْسَنَ اختيارُهُ، وأن يكون مُؤَهَّلاً لذلك العمل النَّبيل، يَفْقَهُ الكثيرَ مِن أُصُولِ التَّعليم وقَوَاعِدِهِ العِلْمِيَّة والتَّربويَّة، مُتَمَلِّكاً مَفَاتِحَ التَّعليم وأَدواتِه، مُدْرِكاً أهمِّيَّةَ اللُّغة العربيَّة ودورها في المُحَافظة على الهُويَّة الإسلاميَّة والعربيَّة.

وينبغي لمعلِّم العربيَّة أن يَحُثَّ طُلَّابَه على القراءة الواعية المُسْتمرَّة، وأن يُرْشِدَهُم إلى قراءة كُتُبِ أَدَبٍ هادفةٍ نافعةٍ لكُتَّابٍ وأدباءَ مَشْهودٍ لهم مُلْتَزِمين قُدَامَى ومُحْدَثِين، ظاهرٌ في كُتُبِهِم جَمَالُ العِبارة، وصَفاءُ اللُّغة، وقُوَّة الكلمة ودِقَّة استخدامِها وحُسْنُ اختيارها. ويمكننا ذِكْرُ بَعْضِ تلك الكُتُب:

1- كُتُب الشِّيخ الأديب عليّ الطَّنطاويّ، مِن مِثْلِ: روائع الطَّنطاويّ، الذِّكْريات…

2- كُتُب الأديب مُصْطَفى صادق الرَّافعيّ، مِن مِثْلِ: وَحْي القَلَم، تاريخ آداب العَرَب…

3- روايات الأديب نجيب الكِيلانيّ، مِن مِثْل: قاتِل حَمْزَة، عُمَرُ يَظْهَرُ في القُدْس…

4- كُتُب الأديب عبَّاس محمود العقَّاد، مِن مِثْل: سلسلة العبقريَّات…

6- كُتُب الدُّكتور عبد الرَّحمن رأفت باشا، مِنْ مِثْل: صُوَر مِن حياة الصَّحابة، صُور مِن حياة التَّابعين.

7- ديوان الشَّوْقيَّات لأحمد شَوْقي.

Share this post

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة