مقومات الدولة في الإسلام

0202.jpg

بقلم: أ. محمد مصطفى الشامي

    تكلم ابن خلدون في كتابه الشهير بـ: المقدمة  إلى مقومات الدولة وتحدث عن الشعب والإمام الحاكم والقانون أو الشرع، ومن ذلك قوله:فالإنسان مدني بطبعه، أي: لا بد له من الاجتماع الذي هو المدينة، وتم عمران العالم، فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم، تكون له الغلبة، والسلطان، واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان وهذا هو معنى الملك، وأنه لابد للبشر من الحكم الوازع وذلك الحكم يكون بشرع مفروض" [1] وكثيرا ما نشاهد ونقرأ الكلام عن الأرض أو الوطن، والشعب، والسلطة، والدستور، والحكومة في أدبيات الساسة.

 

وعمليا فإن مرجع قضايا الدولة إلى هذه الأربعة: حاكم (سلطة)، ومحكوم (شعب ورعية)، شرع مفروض (قانون)، وأرض (وطن).

وينشأ من هذه الأربع تساؤلات كبيرة: من يختار الحاكم؟ وكيف؟ من يضع الدستور (الشرع)؟ ومن يفسره؟ ما دور مختلف فئات الشعب في ذلك؟ كيف تدار عملية الاقتصاد؟ وكيف توزع الثروات؟ ما حقوق كل فئة من فئات الشعب وما واجباتها؟ ما دور الدولة اتجاه الكيانات الأخرى؟ (الصديقة والمعادية). كيف يتم التعامل مع الخصوم والمعتدين؟ ما هو خطاب الدولة الإعلامي (المنبثق عن المرجعية العقدية والتاريخية)؟ …الخ.

والنتيجة يُمكنْ القول إن مقومات أي دولة لا بد أن تستند إلى:

  • الأصول الفكرية: ويشمل هذه الجانب عقيدة الدولة ودستورها وأصولها القانونية ومصادر ثقافتها وتصوراتها عن الكون والحياة، وجذورها التاريخية وأهدافها السالفة والمرحلية والمستقبلية. فالإسلام عقيدةً وشريعةً وقيمًا وأخلاقًا بشموله يُمثل أصل الدولة الوحيد، ونور الوحي الإلهي الرباني هو مرجعها ومنطلقها. وأهداف الدولة المسلمة هي أهداف الإسلام ذاته (اخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد).

  • الأسس السياسية (علاقة الحاكم بالمحكوم): ويتضمن هذا المُقوم: اختيار الحاكم ومؤهلاته والشورى ومسائل الانتخاب والديمقراطية ومراقبة الحاكم وأهل الحل والعقد (البرلمانات) الخ. ولا تكاد تخلو سورة من سور القرآن الكريم ومختلف أبواب الحديث النبوي من علاقة أو إشارة إلى الجوانب السياسية المختلفة أمراً أو نهيًا، وارشاداً أو تحذيراً.

 

  • الإعلام والخطاب السياسي. وهو مُقَوِّم مستقل بذاته وفي تقديري لا يصح أن يُدرج تحت مُقوم آخر، وذلك أنّ أيّ كيان سياسي أو دولة أو ما هو أقل من دولة، حزب أو جماعة لا تستغني في وجودها وقيامها عن الخطاب السياسي الموجه، سواء إلى الانصار والحلفاء، أو الخصوم والأعداء على حد سواء، وما كتاب الله تعالى إلا خطاب ربانيّ إلى الناس كافة، وفيه خطاب مباشر للمؤمن وخطاب مباشر للكافر، وفيه الحوار مع المخالف والمعاند… واستدلالات وبراهين… فلا غنى عن مقوم الخطاب الإعلامي بل يمكن القول هو مما تفتقر إليه بعض الدول اليوم.

  • التعليم: يعد التعليم وفلسفته وأهدافه ومراحله وأنواعه مقوماً أساسياً لقيام واستمرار ونهضة الدول، ولا يمكن لأي مجتمع أو دولة أنْ تنهض فكريا وحضاريا مالم يكن لديها سياسة تعليمية تنبثق من مجموعة المعتقدات والحقائق والقيم والمفاهيم لتشكل وتغرس الاتجاهات والمعارف والمهارات والسلوكيات التي يُبنى عليها المجتمع. بصورة واقعية ومرنة مستمدة من معتقدات وثقافات المجتمع ومنسجمة مع مبادئه وقيمه وقائمة على أسس رصينة وعلمية كما يسهم التعليم في حل وتجاوز الكثير من المشاكل الاجتماعية والاقتصادية.

 

  • علم الاجتماع السياسي: ويتضمن هذا المُقوم معرفة الكتل (الداخلية) والتجمعات البشرية الطبيعية (من أجناس ولغات ومذاهب وقبائل ومناطق) التي تتكون منها الدول، وكيفية إدارتها وطبيعة العلاقات البنيّة، وآلية توظيفها في خدمة أهداف الدولة. ويُمكن القول أنّ القوة تأتي من خلال المحافظة على الخصوصيات مع إيجاد القاسم المشترك بين هذه الكتل ووضوح الأهداف الباعثة على الولاء والتعاون والتكامل والتكاتف والتآخي.

 

  • علم الاقتصاد السياسي: ويتضمن البحث في ايرادات ونفقات الدولة في الإسلام. وكذلك مدى اهتماماتها الاقتصادية ومدى انفاقها على رعاياها وخاصة الفئات الأضعف، وبيان التصور الاسلامي عن توزيع الثروات، والتملك والاستثمار والادخار وتحقيق النمو والرفاهية… ونحو ذلك من الانشطة الاقتصادية.

 

  • أصول القضاء ونظام العقوبات. ويشمل أسس القضاء وفض الخصومات، وإعطاء كل ذي حقٍ حَقَهُ ونصرة المظلوم. ومواصفات القاضي ومرجعية القوانين وأليات تطبيقها وتطويرها.

 

  • امتلاك القوة المادية (الصناعية والتقنية): أُمِرَ المسلمون بالإعداد المادي ما استطاعوا من قوة مادية، وقديما لا يخفى عامل الصدارة في كافة المجالات العلميّة في رفعة شأن الدولة، واليوم أصبحت التكنولوجيا والتقنيات الحديث جزء أساسي من بنية الدول وقوتها ولها أهميتها الخاصة في هذا العصر. بل يُعد السباق في المجال التقني والتكنولوجي من أكبر مقومات صعود وهبوط الدول في هذا العصر.

  • العلاقات الدولية. ويتضمن هذا المُقوم أمور الدعوة الإسلامية في البلاد الكافرة، أصول السلم والحرب واعلان الجهاد والمهادنات والمصالحات وأشكال العلاقة مع مختلف الدول في العالم. وأسس العلاقة مع مختلف الأديان والطوائف والدول خارج بنية الدولة الإسلامية.

 

     إنَّ الاستدلالَ على هذه المقومات ليس محله هذا المقال، وإنما المقصد الإشارة إلى عموم المقومات التي تُبنى عليها الدولة، من أجل أفق أرحب في التفكير والتصور، ومن خلال نظرة سريعة في تاريخنا الإسلامي الكبير وتراثنا السياسي يَتبيّنُ للناظر وجود هذه المُقومات بشكل ظاهر، وأنها مطلب أساسي في نشأة الدول ونهضتها وبقاءها.

 

[1] ابن خلدون، ت 808ه، ولي الدين عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، الطبعة الأولى، دار يعرب -دمشق 1425ه /2005م. ص 138 و139.

 


[1] ابن خلدون، ت 808ه، ولي الدين عبد الرحمن بن محمد، المقدمة، تحقيق: عبد الله محمد الدرويش، الطبعة الأولى، دار يعرب -دمشق 1425ه /2005م. ص 138 و139.

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة