المَلَكة اللسانية عند ابن خلدون فيما دُعِيَ بالمقدمة

-1.jpg

د.عبد البديع النيرباني

ملخص

         نصّ ابن خلدون على أن اللغة ملكة في اللسان، وبيّن أن حصول الملكات يكون بالتكرار والتدريج، ونبّه على أن اللغة لمّا كانت ملكة فهي تكتسب بالتعليم والمِران، وليست طبيعة أو جبلّة، وأشار إلى أنه ينشأ عن رسوخ الملكة اللسانية ما دعي عند علماء البلاغة بـ(الذوق)، وهو غير معلَّل، وسمّي بذلك لأمرين: الأول أن محلّه اللسان والآخر أنه وجداني، وذهب إلى أن الملكة اللسانية ذات طبيعة ذهنية، وتكون بتجريد المنوال الذي نسج العرب عليه تراكيبهم، فينسج هو عليه، وعلى هذا فتمكن الملكة اللسانية إنما يكون بالنظر إلى التركيب لا المفردات، ورأى أن الملكة اللسانية ليست واحدة عند جميع المتكلمين بلسان ما، وأن عوامل اختلافها أمران: الأول جودة المحفوظ والآخر كثرة الاستعمال، وأوضح أن الملكة اللسانية غير علوم اللغة ومستغنية عنها في التعليم، وبرهن على أن الملكة إذا سبقتها ملكة أخرى في المحلّ فلا تحصل إلا ناقصة مخدوشة، وبهذا علّل قصر باع أهل الأمصار والأعاجم عن العربية، وذكر أن فساد الملكة اللسانية عند العرب كان بمخالطتهم الأعاجم، وعلى هذا فإن قريشاً كانت أفصح العرب لبعدها عن بلاد العجم، وألمع بأن مخالطة الأعاجم كان لها أيضاً أثر في انشعاب العربية إلى لهجات، وزعم أن العربية اختصّت بالإعراب وحروف المعاني، وهو ما أورثها الوجازة في التعبير، ووصف لغة الأعراب لعهده بأنها ما زالت على سنن العربية الفصحى، ولم يُفقد منها إلا الإعراب، وهو إحدى قرائن الكلام، وقد استعيض عنه بقرائن أخرى كالرتبة، وهو حينما نظر إلى لغة الأعراب لعهده لم يعدّها انحرافاً عن العربية الفصحى، بل عدّها لغة مستقلّة قابلة للوصف والتقعيد، غير أنه لم يتوافر لها من الدوافع التي تحمل العلماء على العناية بها ما توافر للعربية الفصحى، وقدّر أن السبيل إلى تعلم العربية بعد فساد الألسنة بها يكون بأمرين: جودة المحفوظ وكثرة الاستعمال.


Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة