هل نجمع في الحَضَر بعذر المطر؟

الجواب بقلم: الدكتور محمد سعيد حوى      

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

 

لقـد دأب كثيرون على الجمع تقديماً في الحضر بدعوى عذر المطر أو البرد الشـديد، وهذا الجمع لا يصح، لأنَّه لَمْ يَثْبت أنّ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) جمع تقديماً قط في حياته ، حتى في السفر كما سنرى ، والذي صح فقط جمع التقديم بين الظهر والعصر في عرفة حصراً .

وإذا كان الجمع في عرفة قد أورث احتمال جمع التقديم في السفر، فإن جمع التقديم في الحضر بعذر المطر لم يثبت قط أن النبي (صلى الله عليه وسلم) فعله ، وإليك بيان ذلك وأدلته :

1 ـ  حديث ابن عباس : صلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً ، في غير خوف ولا سفر ، وفي رواية : في غير خوف ولا مطر ، سئل ابن عباس : لم فعل ذلك ؟  قال : أراد أن لا يحرج أمته . أخرجه البخاري 518 ومسلم 705  بألفاظ متقاربة ، قال أيوب في روايته :  لعله في ليلة مطيرة ؟ قال : عسى .

فهذا حديث محتمل لأَنْ يكون تقديماً ولأن يكون تأخيراً ، ولكننا وجدناه مفسَّراً بأنه جمع تأخير صوري ، فقد روى حديث ابن عباس هذا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن ابن عباس ، فقال عمرو لجابر : أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخّر المغرب وعجل العشاء ، قال :  وأنا أظن ذلك ، كما في صحيح مسلم 705 ، فبين أنها جمع تأخير صوري ؛ بأن جعل الظهر في آخر وقته والعصر في أول وقته ، وهكذا فهمها البخـاري ، فقد أخرج في صحيحه ( 518 ط البغا ) حديث عمرو بن دينار عن جـابر بن زيد عن ابن عبـاس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) صلى بالمدينة سبعاً ، ثمانياً … فقال أيوب : لعله في ليـلة مطيرة . .   قال : عسى . .  فوضع البخاري له عنواناً واضحاً فقال : باب تأخير الظهر إلى العصر ، ووجدنا الإمام النسائي ( 1 / 286 ) رواه عن قتيبة عن سفيان عن عمرو عن جابر بن زيد عن ابن عباس بلفظ : صليت مع النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمدينة ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً : أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء .

 كل ذلك يؤكد أن المعروف عند المحدثين أن هذا الحديث في جمع التأخير الصوري حصراً .

وهذا الحديث ينفي في بعض رواياته الصحيحة أن ذلك الجمع كان في المطر بقوله ولا مطر ، والاستدلال به من النـاحية الفقهـية على جواز الجمع في المطر ليس صريحاً ، ووجه الاستدلال به على المطر : أنه يتبادر إلى الذهن من قوله : ولا مطر أنه من المعروف لديهم أنه يمكن أن يكون الجمع في المطر كما يكون في السفر ، فلذلك نفاه كما نفى السفر ، وهذا الفهم هو مجرد احتمال لأنه يمكن أن يكون أراد بنفي المطر رفع التوهم الذي قد يظنه القارئ فيما لو لم يذكر المطر إذ قد يقول : لعله في المطر ، فيحتج به على المطر ، فنفاه حتى لا يستدل به على ذلك ، ومعلوم أن الاستدلال بالمفهوم المخالف ـ عند علماء الأصول والفقه ـ من أضعف الأدلة ولا يصار إليه إلا مع عدم غيره ، فكيف إذا عارضه غيره .

2 ـ  ولما كان ظاهر حديث ابن عباس قد يحتج به لمطلق الجمع حتى من غير عذر ؛ قال الإمام الترمذي في حق حديث ابن عباس : جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به ما خلا حديثين: حديث ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر … (كتاب العلل الصغير ، آخر كتاب السنن 5/736) .

3 ـ  ويؤكد هذا كله : قوله تعالى : ) إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً ( ، مع شدة تأكيده (صلى الله عليه وسلم) على الصلاة على وقتها ، انظر البخاري ( رقم 504 ط البغا ) ، وأنه يعذر المرء بالتأخير للحاجة ؛ إذ يكون الوقت قد دخل ، أما أن يصلي صلاة قبل وقتها فهذا كمن يصوم رمضان في شعبان ، ولا يجوز العدول عن الأصل إلا بنص قطعي صحيح ثابت .

4 ـ  وثبت أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يأمر المؤذن أن يقول : ألا صلوا في الرحال أخرج البخاري ( 635 ) أن ابن عمر أذّن بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ، ثم قال : ألا صلوا في الرحال ، ثم قال : إن رسول الله كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر بقوله : ألا صلوا في الرحال .

فمادامت رخصة الصلاة في الرحال أي البيوت ثابتة ، فلِمَ يحرص الناس على رخصة مشكوك فيها ويتركون الرخصة الأسهل والأثبت والتي هي أمر مباشر من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)

5 ـ  وكل هذا يؤكد عدم معرفة جمع التقديم في الحضر بعذر المطر أصلاً ، ويؤكد هذا أن سنته الثابتة عنه (صلى الله عليه وسلم) حتى في السفر : الجمع تأخيراً أو الجمع الصوري ، ولم يثبت قط جمع التقديم في سفره إلا في عرفة والدليل على ذلك :

1ـ  حديث أنس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل يجمع بينهما ، فإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ، ثم ركب . متفق عليه ( خ 1060 و 1061 ) وقال البخاري : باب : يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس ، ثم قال : باب : إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب وكذا أخرجه مسـلم ( 704 ) وله عدة روايات كلها تنص نصاً على جمع التـأخير فلتنظر ، فلم يذكر هذا الحديث جمع التقديم ، وهو أصح حديث في الباب .   فهذه سنته الثابتة في السفر ، فمن باب أولى أن لا يقدم الصلاة على وقتها في الحضر .

2 ـ  ومما يؤكد أن سنته الثابتة جمع التأخير فحسب حتى في السفر : حديث معاذ : خرجنا مع رسول الله عام غزوة تبوك فكان يجمع الصلاة ، فصلى الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً ، حتى إذا كان يوماً أخّر الصلاة ، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ، ثم دخل ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعاً … أخرجه مالك ( 1 / 143 ) وأحمد ( 5 / 128 ) ومسلم رقم 706 ( كتاب الفضائل ، باب في معجزات النبي (صلى الله عليه وسلم) ) ، هكذا رواه جمعٌ : مالك وقرة بن خالد وسفيان بن عيينة وهشام بن سعد وزهير بن محمد التميمي كلهم عن أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ .

وواضح أنه فسر لنا الجمع أنه جمع تأخير ، ولم يصرح بجمع التقديم أبداً ، وشذ قتيبة بن سعيد فرواه عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عن معاذ  بلفظ : إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس««» أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً ، وإذا ارتحل بعد زيع الشمس عجل العصر إلى الظهر … أخرجه أبو داود 1220 ، فهذه الزيادة الأخيرة شذ بها قتيبة ، ونقدها أهل الحديث ، قال أبو داود: لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده، وقال الترمذي (حديث رقم 553) : حديث معاذ حسن غريب تفرد به قتيبة ، لا نعرف أحداً رواه عن الليث غيره ، وحديث الليث عن يزيد عن أبي الطفيل عن معاذ غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبي الزبير عن أبي الطفيل عن معاذ … اها من الترمذي 2/ 440 ، أي أن الحديث المعروف هو باللفظ السابق الذي ذكر جمع التأخير فقط ، وقال الخطيب البغدادي عن رواية قتيبة : وهو منكر جداً من حديثه ( تهذيب الكمال 23 / 535 –  536 ) ، وقال أبو داود : حديث منكر وليس في جمع التقديم حديث قائم ( نقلها ابن حجر في تلخيص الحبير 2 / 49 ) .  

3 ـ ومما يؤكد أنهم لم يكونوا يعرفون إلا جمع التأخير الصوري : حديث ابن عمر أنه استُغيث على بعض أهله ، فجد به السير ، فأخّر المغرب حتى غاب الشفق ، ثم نزل ، فجمع بينهما ثم أخبرهم أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يفعل ذلك إذا جدّ به السير ، أخرجه البخاري 1058 ومسلم 703 والترمذي 555 وأبو داود 1217 .

4 ـ  ويؤكده حديث ابن مسعود : ( عند البخاري 1598 كتاب الحج ، باب متى يصلي الفجر بجمع ، ومسلم 1289) : ما رأيت رسول الله صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين : جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة ، وصلى الفجر قبل ميقاتها ، وفي رواية النسائي 5/254 وإسناده صحيح : كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يصلي الصلاة لوقتها إلا بجمع [أي مزدلفة] وعرفات ، ولا يقال إن ابن مسعود لم يطّلع ، فإنه كان طويل الصحبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وكان من أفقه الصحابة وأعلمهم بسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وأما قوله : وصلى الفجر قبل ميقاتها ، يبينه رواية ابن خزيمة رقم 2854 : … وصلى الفجر قبل وقتها بغلس أي قبل الوقت الذي كان يصليها فيه عادة وهو الإسفار ، وليس مقصوده تقديمها عن وقت الفجر .

ـ  وقد يورد البعض أحاديث تفيد جمع التقديم في السفر ، لكنه لم يثبت منها شيء على التحقيق ، منها : حديث عن ابن عباس أخرجه عبد الرزاق وأحمد ، وفي سنده حسين بن عبد الله بن عبيد الله : ضعيف له مناكير ، وقال النسائي : متروك الحديث .

ويعارضه ما جاء عن ابن عباس وهو قوله : كان (صلى الله عليه وسلم) إذا نزل منزلاً فأعجبه المنزل أخّر الظهر حتى يجمع بين الظهر والعصر ، وإذا سار ولم يتهيأ له المنزل أخّر الظهر حتى يأتي المنزل ، فيجمع بين الظهر والعصر أخرجه أحمد 1 / 244 وسنده صحيح ، وأنت ترى أنه لم ينص إلا على جمع التأخير .

فهذا يؤكد عدم ثبوت جمع التقديم لا في حضر ولا سفر إلا في عرفة .

ويؤكده أيضاً أنه لما سأل ابن شهاب الزهري سالمَ بن عبد الله : هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر ؟  قال : نعم ، ألا ترى إلى صلاة الناس بعرفة. ( الموطأ 1/143 كتاب قصر الصلاة ) فأنت ترى أن الحديث عن جمع التقديم في السفر وليس في الحضر، ولم يجد دليلاً إلا ما فعله النبي (صلى الله عليه وسلم) في عرفة ، وهي محل خلاف هل تكون دليلاً للجمع في السفر، لأن الحنفية يرون أن السبب ليس السفر ولكنه النسك ( أي الحج ) .

وليس فيها دليل قط على الجمع في الحضر ، لعدم وجود أدنى اشتراك في العلة بين حال الناس في عرفة وحالهم في محل إقامتهم الأصلية ، على أنه من المعلوم اتفاقاً أن القياس في العبادات من أضعف الطرق في الاستدلال ، بل إن أكثر العلماء يرون عدم القياس في العبادات أصلاً .

ولذا نلاحظ أنه لم يخرّج البخاري ولا مسلم شيئاً من أحاديث جمع التقديم، واتفقا على إخراج أحاديث جمع التأخير..

كل هذا يؤكد أنه لم يكن قط معروفاً من سنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الثابتة شيء اسمه جمع التقديم في الحضر .

ولا يقال : ما فائدة جمع التأخير أو الجمع الصوري ، فإنا نقول لهؤلاء : إن من يعلم شدة تأكيده (صلى الله عليه وسلم) على الصلاة في وقتها يدرك معنى أن يخفف الشارع عن أصحاب الأعذار إذا أخّروا الصلاة عن وقتها لحاجة أو عذر لئلا يكونوا داخلين في وعيد الله ) الذين هم عن صلاتهم ساهون ( ، فكان مشروعية جمع التأخير أو الجمع الصوري عند الحاجة مخرجاً لمن لم يتهيأ له الصلاة على وقتها لعذر .

ومن يستدل بجمع التقديم في المطر بمذهب الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله ؛ فعليه أن يقف على حقيقة مذاهبهم ودقائق شروطهم، فإنا رأينا الناس اليوم لا يلتفتون إلى شيء من ذلك .

فأما الحنابلة والمالكية فقد أجازوا جمع المغرب والعشاء تقديماً في الحضر ، ولم يجيزوا جمع الظهر والعصر بعذر المطر ، واستدلوا :

1 ـ  بما أخرجه مالك (1 / 145) عن نافع عن ابن عمر : كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم .

2 ـ  واستدلوا بما رواه الأثرم في سننه عن أبي سلمة : مضت السنة الجمع في الليلة المطيرة . ( انظر : مصنف ابن أبي شيبة 2 / 44 رقم 6269 ونيل الأوطار 3 / 268 ) .

ومع قولهم بالجمع في الليلة المطيرة فلم يجيزوا جمع الظهروالعصر تقديماً بعذر المطر مطلقاً ، ورأوا أن العمل على خلاف ذلك فلم يأخذوا به ، كما في بداية المجتهد 2 / 374 .

ولنا أن نقف مع استدلالاتهم لنجد أن فعل ابن عمر مع الأمراء أشبه ما يكون بالجمع الصوري ، إذ أخرج ابن أبي شيبة ( 2 / 44 رقم 6267 ) قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع قال : كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطأوا بالمغرب وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق ، فكان ابن عمر يصلي معهم لا يرى بذلك بأساً ، قـال عبيد الله : ورأيت القاسم وسالماً يصليان معهم في مثل تلك الليلة .

ويؤكد قضية الجمع الصوري ما سبق عن ابن عمر في صحيح الإمام البخاري أنه يؤخر المغرب ويعجل العشاء ، وعلى هذا يحمل ما جاء في رواية الأثرم عن أبي سلمة ، فمن من الناس اليوم يفعل هذا الجمع .

هـذا ، وبيّن المالكية شروط الجمع عندهم على النحو التالي :  يجوز جمع التقديم لمن يصلي العشاءين ( المغرب والعشاء ) بجماعة في المسجد ، إذا كان المطر غزيراً يحمل أوساط الناس على تغطية رؤوسهم ، والوحل أو الطين كثيراً يمنع الناس من لبس الحذاء ، ولا يجوز الجمع إلا باجتماع الوحل مع الظلمة ، لا بأحدهما . ( انظر كفاية الطالب 1/421 والفقه الإسلامي وأدلته 2/353 ) . 

وذكروا أنه يجوز بسبب المطر والبَرَد والثلج وليس البرْد ، ومذهب الحنابلة نحو مذهب المالكية ( انظرالفقه الإسلامي وأدلته 2/358 ) .

أما الشافعية فأجازوا جمع الظهر والعصر تقديماً والمغرب والعشاء تقديماً ، لكنهم وضعوا شروطاً دقيقة لجواز الجمع في الحضر بعذر المطر ، وهي :

  • نية الجمع في الأولى ولو مع السلام .

  • الموالاة بين الصلاتين .

  • الترتيب .

  • وجود المطر الذي يبل و لو أعلى الثياب وأسفل النعل في أول الصلاتين وبينهما وعند التحلل من الأولى .

  • أن تصلى الثانية جماعة .

  • أن تصلى الثانية في مكان بعيد عن محله عرفاً [ أي أن لا يكون جار المسجد ].

  • أن يتأذى بالمطر في طريقه [ أي لا يُكِنُّه شيء كسيارة ونحوها ] .

  • أن لا يتأخر إحرامه عن إحرام إمامه عرفاً .

  ( انظر الدراسات الفقهية على مذهب الإمام الشافعي ، للعلامة خالد الشقفة الحموي ص 343 ) .

 

وبين الشافعية أنه يُجمع بسبب المطر والثلج والبرد الذائبين ، [ وقولهم : ( الذائبين ) يبين أنه ليس البرْد ، كما يزعم البعض ] لمن صلى في مسجد بعيد ويتأذى في المطر في طريقه ، ولم يجيزوا ذلك للوحل والريح والظلمة والمرض . ( انظر : مغني المحتاج 1 / 275 والفقه الإسلامي 2 / 354 ) .

 

وبعد أن رأينا أنه لم يثبت نص مرفوع قط في جمع التقديم في الحضر ، وما ورد عن الصحابة من آثار إنما هو حصراً في صلاتي المغرب والعشاء مع ظاهر كونه جمعاً صورياً ، لنا أن نسأل أولئكم الذين يحتجون بحديث ابن عباس السابق ذكره : كم مرة فعل ذلك النبي (صلى الله عليه وسلم) ؟ . . إنه فعل ذلك مرة واحدة حصراً مع كونه جمعاً صورياً كما ثبت ، وفعل ذلك لئلا يحرج أمته ، أي ليرخص به عند وجود حرج ، وعلى أن لا يتخذ عادة ، فأين نحن من ذلك ؟

وجميع علماء المذاهب ينصّون على أن الأولى عدم جمع التقديم ـ ولو توافرت شروطه عندهم ـ نظراً لظنية أدلتهم فيه وقطعية الأمر بالصلاة على وقتها .

ـ  ويحتج العـامة للجمع في المطر بحـديث الرخص : »إن الله يحب أن تؤتى رخصُه كما يحب أن تؤتى عزائمه«   ( رواه ابن حبان  354 والبيهقي 5199 ) ، ولا وجه للاستدلال به ، أولاً : لأنه يدل على أن الله يحب العزائم أيضاً فلم تقدمون الرخص على العزائم ، إذ كلاهما محبوب لله تعالى ، ثانياً : لأن هذا الحديث يتكلم عن الرخصة التي ثبتت شرعاً ، فأما إذا لم تثبت أو دخلت في مجال الشبهة أو الشك فلا قيمة للاستدلال به ، لأن » الحلال بين والحرام بين ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه« فهذا الحديث يغلّب جانب ترك الرخصة إذا كانت مشكوكاً فيها أو كانت مما يشتبه به ولا يتيقن منه ، كالجمع في المطر على ما بيّنّا .

ـ  وينبغي تنبيه الأئمة على عدم اتباع الهوى واتباع أهواء الناس الذين يطلبون الجمع ليتخلصوا من الصلوات والمجيء إلى المسجد ، ثم ترى بعضهم يذهبون في زيارة أو تسوق . .  ولو كان الجو يقتضي هذه الرخصة لأقعدهم عن الخروج من بيوتهم بالكلية.

ولا ينقضي العجب من أقوام يثورون على أئمتهم إذا لم يجمعوا بهم ، مع أنها رخصة مشكوك في ثبوتها ، وأرشدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى رخصة ثابتة وهي الصلاة في الرحال ، ثم ترى هؤلاء يرون المنكرات عياناً جهاراً ولا ينكر الواحد منهم شيئاً منها ، ألا ترى أن حظ النفس ظاهر في ذلك كله .

ـ  وبعد : فإذا كان الأمر على ما ذكرنا فإن قضية الجمع في المطر على الطريقة التي يفعلها الناس اليوم فيها ما فيها من الشبهة والبعد عن السنة الثابتة ، فلا ينبغي التساهل في أمر مشكوك فيه ، وينبغي الحيطة في دين الله ، وخاصة هذه الصلاة التي إن فسدت فسد سائر عملك ، وإن صحت صح سائر عملك ، فلا تعرّضها لاحتمال البطلان ، فإن من يترك الجمع ـ ولو كان ثابتاً ـ يكون تاركاً لرخصة ، لكن من يجمع ـ مع عدم ثبوت الحكم ـ يكون قد صلى الصلاة الثانية قبل دخول وقتها ، فلَمْ تصحّ منه ، فلنتق الله في أنفسنا وديننا .

  وأخـيراً: فإن لكل عالم وجهته ، ولكل مسلم قناعته ، فإذا كان لك قناعة في غير ما ذكرنا ، فلا ينبغي لك أن تلوم من خالفك، وأنت ترى كيف أنه بنى قناعته على أدلة كثيرة، لم يتبع بها رأياً من غير دليل، ولم يكن بها مقلداً، والعجب أنك تجد من يدعو الناس إلى التحرر من ربقة التقليد الأعمى ، ثم يقع فيه من حيث لا يدري ، فيريد أن يُلزم الناس بآرائه أو آراء غيره ممن يثق بهم ، ويعتبر اجتهاد غيره رأياً واجتهاداً باطلاً . .

 

Share this post

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top

أكاديمية مكة المكرمة