مكانة النبي محمد بن عبد الله

 ما هي أدلة صدقه ؟ ولماذا نتبعه ونطيعه ؟

بقلم الشيخ الدكتور معاذ سعيد حوّى

مما يتساءل عنه الإنسان العاقل: ما دام الله تعالى هو صاحب الحق في أن يُعبد ويَحكم؛ فما هو المصدر الذي وصلتنا أحكام الله من خلاله، وما موقفنا تجاهه، وما واجبنا نحوه؟

لقد أرسل الله تعالى نبيه محمداً بأمور عظيمة، بما يُغيِّر حياة الناس، ويُلزِمُهم أن يكونوا على طريقة معينة ويقيدهم بأحكام كثيرة، ويخبرهم بأمور لا يمكن أن يعرفوها بالعقل أو بالتجربة؛ من إثبات صفات الله وإثبات الآخرة ووصف الجنة والنار، وغير ذلك، ولا يصح أن نصدق ونتبع من يدعي هذه الأمور ويدعي أنه على الحق وأنه مرسل من عند الله؛ حتى نعلم صدقه، ويزول كل شك فيه.

لذلك نبه الله تعالى العقول أن تنظر في شأن النبي   وتستبين صدقه وجمال ما يُحَدِّث به، فقال سبحانه: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 184]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46].

وقد خاطب الله بهذا الخطاب أولئك الذين أصروا على تكذيب النبي وادَّعَوا أنه شاعر وكاهن ومجنون وكذاب، وهم يعلمون أنَّه ليْسَ كذلك، ويَعْلَمُون صِدْقه قبل بعثته وبعدها، ويعلمون أنَّ الكتاب الذي جاء به لا يستطيعه البشر، ومع ذلك أصروا على التكذيب، لذلك بين الله كذبهم وانحرافهم، فليس في النبي   ما يدل على شيء من هذه التهم، وإنما هي نعمة الله الذي اختاره لحمل رسالته ودينه، قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ﴾ [الطور: 29] وقال تعالى: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ﴾ [يس: 69].

وإذا ثبت صدق النبي   فذلك كافٍ لتصديقه في رسالته عن الله، ما لم يأت شيء يقتضي التكذيب، وعلى الرغم من ذلك فإن الله يعلم ما قد يثيره كثير من الناس من شكوك وجحود، فأعطى الأنبياء معجزات خارقة للعادة خارجة عن قدرة البشر تحداهم بها، ليقطع بهما حجج الخصوم والمنكرين، وليزيد المؤمنين إيماناً وتثبيتاً ويقيناً.

وقد أعطى الله نبيه محمداً   من دلائل النبوة شيئاً كثيراً، سواء في صفات شخصه أو في المعجزات التي أيده فيها أو في طبيعة الرسالة التي أرسلها إليه، أو غير ذلك …

من معجزاته   :

  1. إنك لو نظرت إلى هذا الدين الذي جاء به النبيُّ محمدٌ ، من خلال نظرك إلى الكتاب والسنة ومعانيهما وجلالهما، ثم نظرت إلى طبيعة البيئة العربية مع ما كان فيها من جاهلية وظلم وفساد؛ لقلت إنه من المستحيل أن تفرز البيئة العربية هذا الدين ومعانيه، حتى غيرت أخلاق العرب وارتقت بهم، وهذه معجزة وحدها دالةٌ على أن هذا الدين ليس من عند بشر، وليس هو من اختراع النبي   ، بل هو من عند الله.

  2. وإذا نظرت إلى هدي النبي في كل صغيرة وكبيرة، تعلم أن هذا أمر يعجز البشر لولا تأييدٌ ووحيٌ من الله وتوفيق، فإن كل التشريعات البشرية لم تستطع أن تفصِّل في قوانينها في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل شأن من شؤون الحياة، فكيف يستطيع شخص وحده أن يشرع كل هذه التشريعات، لولا أن الذي يعلمه هو الله العليم بكل شيء والخبير بكل شأن.

  3. وإذا نظرت إلى معاني القرآن وتشريعاته، وجمالها وإحاطتها وشمولها وعدالتها، فذلك كاف لتصديق النبي ، وإثبات أن رسالته من عند الله لا من عند نفسه، ذلك أنه ما من تشريع سواه إلا وفيه من العيوب بحيث يحتاج المشرعون من البشر أن يغيروه وأن يعدلوه، وما من تشريع غير تشريع الله إلا وفيه نقص، ينتظرون حتى يحصل الأمر فيبحثون عن قانون له، وما من تشريع للبشر إلا وفيه أهواؤهم وميولهم وشهواتهم التي يحققها المشرع لنفسه أو لبعض الناس، فيظلم غيره، ولا يكون قانونه في مصلحة الآخرين، بينما شرع الله لا أهواء فيه ولا ميول، فالله عدل حقٌّ منزهٌ عن الحَيْف والظلم والإجحاف.

  4. وإذا نظرت إلى القرآن وما فيه من جمال في النظم والبيان، وقد تحدى الله تعالى البشرَ جميعاً أن يأتوا بمثله، فعجزوا، قال تعالى: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [يونس: 38]، والذين نزل عليهم القرآن كانوا أعرف الناس باللغة، سبقوا من قبلهم ومن بعدهم، ومع ذلك فقد عجزوا عن الإتيان بسورة أو آية، فغيرهم أعجز فثبتت المعجزة للنبي بذلك ووجب التصديق بما يقول من أنه مرسل من عند الله مؤيد منه.

  5. ولو نظرت إلى ما في القرآن من إعجاز علمي، من خلال ذكر نظريات علمية بذل العقل البشري في هذا الزمان سنوات وجهوداً وأموالاً طائلة حتى وصل إلى نظرية فيها تحتمل الشك والخطأ، تجد القرآن يذكرها بكلمات معدودة مقرراً حقائقها، ومن يعلم ذلك إلا الله، ومن يعلم ما في ملكه إلا الله، كل ذلك يدل على أن مصدر هذا الشرع كله من عند الله خالق الكون ومالكه.

ومعجزات النبي   عدا عن معجزة القرآن كثيرة جداً، وواحدة منها كافية لتصديق النبي، فكيف إذا اجتمعت العشرات والمئات من المعجزات.

كل هذه المعجزات وغيرها كثير إنما جعلها الله تصديقاً للنبي محمدٍ   فيما يقوله من أنه مرسل من عند الله.

وإذا ثبت أنه صادق وأنه مرسل من عند الله وجب أن نطيعه في كل ما جاء به، لأنه إنما يأمرنا بأمر الله، اللهِ الذي له الحق في أن يَحْكُم في خلقه، ويَأمُرَ فيُطاع.

ومن لم يعرف هذه الحقائق فكيف يحرص على طاعة النبي   ، ومن عرفها واقتنع بها كيف لا يطيع النبي ويتابعه، لذلك لا يمكن أن يجتهد الإنسان في تزكية نفسه من خلال طاعة الأوامر التي جاء بها النبي   إلا أن تكون هذه الحقائق واضحة ثابتة في ذهنه.

الشيخ المحدث علامة الشام بدرُ الدِّين الحسني
تربيةٌ وتمحيصٌ ثم نصر (قصة طالوت وجالوت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Close
Close سلتي
Close المفضلة
Recently Viewed Close

Close
Navigation
Categories
ArabicEnglishTurkish